لا يمكن لأحد مهما كانت درجته ومكانته العلمية أو خبرته السياسية أن يُنكر فشل الإدارة الأميركية في إدارة الأزمة في العراق، فمنذ دخول القوات الأميركية العراق عام 2004 والمنطقة تعاني من مشاكل عديدة، أهمها تدني حالة الاستقرار في المنطقة ونشوب خلافات عقيمة في الشرق الأوسط أودت بحياة الكثيرين، وسالت دماء حولت نهري دجلة والفرات إلى اللون الأحمر، وبعد أن كان يزهو بجمال الطبيعة من حوله تحول المشهد إلى مشهد دموي، وإني لأحزن على هذين النهرين المتغيّر لونهما على مدى العصور، فقد أحالهما التتار إلى لون الحبر الداكن، بعد أن ألقوا بهما كتب التراث وها هو اليوم يتحول للون الدماء.

لا يستطيع أحد نكران ما خلفته مشاركة روسيا ودعمها لنظام الأسد في سوريا، وما لحق بأرض الشام من دمار وقتلى اعتصرت قلوب العالم ألماً على واقع الحال، بخلاف المهجرين إلى الخارج، والتي باتت قضيتهم من أصعب الملفات المتداولة عالمياً، بل من أكثرها تحدياً في ظل انتشار الإرهاب وتأثيره على استقرار المهاجرين السوريين في دول العالم، في حين أن مشاركة روسيا ودخولها الحرب في سوريا كان أساسه القضاء على تنظيم داعش للتخلص من الإرهاب، إلا أن التنظيم المجرم ما زال متواجداً على أرض الواقع والإرهاب، وباتت يداه تحاولان الاعتداء على العديد من البلدان.

أكبر دولتين في الوقت الراهن لم تستطيعا تحقيق ما هو مطلوب منهما لحل الأزمتين العراقية والسورية، على عكس المتوقع تماماً فعلى إثر هذا التدخل بتنا نعاني من تقسيمات مذهبية وطائفية وحزبية داخل بلادنا العربية، بل أصبحت شعوبنا أكثر دموية ولا يجمعها التآخي إلا من رحم ربي، وعند رصد واقع أمتنا الإسلامية نجد أنها بعد هذه التدخلات انشطرت إلى ألف مذهب وملة، يتقاتلون لإثبات من هو الأكثر صحة واقتراباً من الصواب.

هذا فشل ذريع للإدارتين الأميركية والروسية في حل الأزمات، بينما حين نشاهد الكيفية التي تعاطت بها قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية مع شريكها الأكبر دولتنا دولة الإمارات العربية المتحدة مع قضية اليمن، من جهد عسكري مشترك لوأد الإرهاب مثلما نشهد حجم المساعدات التي تقدمها الامارات من أجل إعادة إعمار اليمن وإغاثة شعبه ليعود سعيداً إن شاء الله، نكتشف قدرة عظيمة، على ادارة الازمات.

لم ننتظر حتى تضع الحرب أوزارها لنعيد فتح ملفات الإعمار من جديد وكأننا كالذي يسكت عن مرضه حتى يتفشى وينتشر بكامل جسده فيموت، ولا رجوع طبعاً بعد الموت، فإن لم يكن الإعمار متزامناً مع الحزم وبالحجم نفسه بل وأكبر منه فلن تنجح عملية تحرير اليمن، وخصوصاً عندما تنتهي جميع مقومات الحياة الأساسية كالدواء والطعام، وحينها لا يمكنك إعادة الأمل في نفوس هؤلاء المستضعفين المشردين، ووقتها لن تنجح عملية الإعمار لأن الأبرياء تضرروا، ولهذا تعمل دولتنا على جهد مشترك، ووفق خطة اوسع افقا.

ما تقوم به دول التحالف العربي أمر مهم جداً، فهي تعمل وفق خطة شمولية، الجنود يحاربون من أجل تحرير الأراضي من تحت سيطرة مليشيات الحوثي وصالح، وفي الجانب الآخر تقوم مؤسسات الإغاثة والجمعيات الخيرية بإعادة الأمل للشعب اليمني، وما تخلفه جرائم الإرهابيين من دمار، تقوم هيئة إغاثية بارزة كالهلال الأحمر الإماراتي بإعادة البناء من جديد، وذلك لاستمرارية الحياة على تلك الأرض.

من يعيش على أرض سوريا أو العراق أو اليمن هم أهل هذه البلاد وليس فقط القوى العسكرية والسياسية، وهؤلاء هم الأساس، والذين من حقهم أن يعيشوا ويكملوا حياتهم على الأقل بمقوماتها الأساسية من مأكل ومشرب وتعليم، وإن لم يفكر العالم بكيفية حل هذه المعضلة فسيواجه المجتمع الدولي فشلاً ذريعاً في التعامل معها مع نتائج هذا الوضع مستقبلاً.

من يعش في بيئة حرب ودمار وقتل فلن تستطيع السيطرة عليه عندما يكبر، والذي يفقد عائلته لن يتنازل عن حق الدم المهدور في المستقبل إلا إذا احتوى العالم هذه المشكلة من أساسها بأن يوجد ملاذاً أمناً لهؤلاء المستضعفين، وأن يجعلهم أولى الأولويات، وعنوان الأجندات.

حقيقة لا يمكن نكرانها، التجربة الخليجية في إدارة الأزمات واحتواء الصراعات تجربة تستحق أن يشاد بها، فما تفعله دول التحالف ليس فقط قتال على الجبهة، بل عملية تحرير وتطهير الأرض وإعادة إعمارها من جديد ورسمها بصورة أفضل، وكل هذا من أجل سلامة مستقبل اليمنيين وهم الأساس في القضية.

هذه التجربة أثبتت خلال سنوات بسيطة أنها جديرة بالثقة، والتكرار في دول اخرى، فما يهم دول الخليج العربي، مصلحة الشعوب العربية أولاً، ولهذا نجد توجهاً عربياً كبيراً يطالب الدول العربية الكبيرة بالمساعدة في سوريا وحل الأزمة هناك، بل يعلق الكثير منهم الآمال على الدول العربية الفاعلة، ويطالبونها بالتدخل في القضية السورية، ووقف شلال الدماء، وحقنها.

ستنجح الدول العربية الخليجية، وبقية الدول المؤثرة، في إعادة الاستقرار إلى بلدان الصراع، فالهم واحد والألم واحد، وقد قلتها من قبل، فعاصفة الحزم جددت في نفوسنا إيماننا بكون العرب إخوة، وسنبقى إخوة وقادرين على الخروج من الأزمات بما يحقق استمرارية الحياة الكريمة لشعوبنا.