الشائع على نطاق واسع في الفقه القانوني، أنه لكي تقوم دولة ما، ينبغي أن تتوفر لها ثلاثة عناصر، المجتمع والأرض والحكم.

الدولة بهذا المعنى هي جماعة من البشر تعيش لفترة ممتدة على أرض معلومة، وتخضع لنمط من الحكم وفق قواعد مدونة أو تقاليد مرعية.

التأمل عميقاً في هذا التعريف، يجعله عرضة للنقد والتفنيد، وربما للنقض والتقويض إلى درك فقدان الصلاحية، وهناك عنصر رابع يعتقد بعض المنظرين بحتميته لقيام الدولة بحيثية طبيعية تلقائية، تبعد عنها شبهة الإيجاد عنوة بالاصطناع أو بالعدوان والبغي، المقصود بذلك عنصر الأحقية التاريخية للجماعة الإنسانية ذات الصلة في ملكية الأرض التي يقيمون عليها اجتماعهم السياسي.

مشكلة الدولة الصهيونية في فلسطين قبل زهاء سبعين عاماً، تكمن بالضبط في الفارق بين هذين التعريفين، التعريف التقليدي ثلاثي الأركان بطبيعته الجافة، والتعريف رباعي الأركان المشتمل على عنصر الحق التاريخي الثقافي الفطري العميق.

تقول التفاصيل إن إسرائيل قامت في أساسها على سكان تم استجلابهم من جهات الدنيا كلها، وهم على غير اتفاق في المسارات التاريخية، باستثناء التلاقي على عنصر الديانة، ثم إن هؤلاء المستجلبين، المتباينين في الألسن والموروثات الثقافية والخبرات والسير الذاتية، جرى حشدهم واستزراعهم في أرض فلسطين، وتكوين مؤسسات حاكمة لهم.

إسرائيل استحوذت على العناصر الشهيرة اللازمة لقيام الدول، السكان والأرض والحكم، وفق حيثيات ومعطيات وسياقات يمكن التشكيك والمجادلة بسهولة في استقامتها، والدفع بتلفيقها وابتداعها، وصولاً إلى نفي ركن الأحقية عنها.

نحن إزاء دولة تم إيجادها بحق القوة، لا بقوة الحق، وليس أدل على منطقية هذا التصور، من استمرار المنازعة على هذا الركن بين هذه الدولة وبين السكان الأصليين، الشعب العربي الفلسطيني، منذ لحظة إعلانها إلى ساعتنا الراهنة.

الأمر يفسر الطلب المرفوع مؤخراً في وجه الفلسطينيين بالذات، بضرورة الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي.

هذا دون الاستطراد إلى فشل الادعاء القائل إن يهود العالم كانوا يتحرقون شوقاً لنشوء إسرائيل، كي يغادروا مواطنهم الأصلية إليها، فهي حتى الآن لا تضم سوى أقل من نصفهم، وتستصرخ الباقين سراً وعلانية بكل حيلة ووسيلة من أجل الالتحاق بها، ونحسب أن الفشل في تحقيق هذا المراد يعود قبل أي شيء إلى دراية اليهود العازفين عن الهجرة بهذه المنازعة.

هذا يعني أن سرعة انبعاث الحركة الوطنية الفلسطينية وعودة الفلسطينيين إلى ميدان الدفاع عن أحقيتهم بفلسطين، من أهم عوامل إثارة هواجس يهود العالم تجاه الوعود الصهيونية، والتفكير ملياً قبل الاستجابة لنداء الهجرة إلى إسرائيل.

اليوم، تستقبل إسرائيل عامها السبعين، وقد باح التاريخ بكل مكنونات سيرتها الذاتية، منذ كانت فكرة هائمة، إلى أن أضحت كياناً دموياً متنمراً وجلاداً، ولم تعش يوماً واحداً بعيداً عن سطوة القوة العسكرية.

يعترف بعض العقلاء الإسرائيليين بهذه الحقائق، ويقولون بأن نخب الحكم والسياسة في دولتهم، لم تكن وفية حتى لما ورد في ما يسمى بوثيقة استقلالها.

ظاهر الحال، أنه سيمضى وقت يصعب تحديده، قبل أن يصبح أصحاب هذه التقديرات العقلانية أغلبية في إسرائيل.

فمن يمنع الدواء والغذاء والكتاب والتواصل مع الأهل، وبقية أبسط حقوق الإنسان عن أسرى الشعب الفلسطيني، لا يسعه بسهولة القناعة بأحقية هذا الشعب في دولة مستقلة ذات سيادة على أرضه.

الصحيح أنه لا بد أن يجبر على ذلك.