تداولت المواقع الإلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي قبل أيام، مقطع فيديو تاريخه 17 أكتوبر 1977م، أعاد نشره مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، يظهر فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهو يفاوض خاطفي طائرة تابعة لشركة «لوفتهانزا» الألمانية، هبطوا بها في مطار دبي وعلى متنها 87 راكباً.

في المقطع المنشور يظهر سموه في برج مراقبة المطار، خلال مفاوضته خاطفي الطائرة، الذين قيل إنهم ينتمون إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وينفذون عملية الاختطاف بتخطيط من القيادي الفلسطيني وديع حداد. وقد نجح سموه في التفاوض معهم، وإنهاء العملية دون سقوط ضحايا على أرض مطار دبي، حيث أقلعت الطائرة بعد أن طلب الخاطفون تزويدها بالوقود إلى عدن، ثم مقديشو.

يلفت النظر في مقطع الفيديو المنشور أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، استطاع خلال مفاوضته للخاطفين أن يمنع وقوع قتلى على أرض دبي، رغم أن الخاطفين قد هددوا بقتل جميع الركاب، ما لم يتم إطلاق سراح سجناء من منظمة الجيش الأحمر الألماني «بادر ماينهوف» في ألمانيا.

وكان هدفهم من العملية مساندة المنظمة، وتصعيد الضغط على حكومة ألمانيا الغربية وقتها لإطلاق السجناء، إلا أن سموه استطاع أن يمنع حدوث هذه المجزرة على أرض دولة الإمارات، فأقلعت الطائرة بطاقمها وجميع ركابها دون ضحايا.

وقد بدا سموه خلال مقطع الفيديو مفاوضاً بارعاً وذكياً وحازماً، وقال في التصريح الذي ظهر بصوت سموه بعد إقلاع الطائرة من مطار دبي، إنه لم يفاجأ بقرار الإقلاع بعد أن طلب الخاطفون تزويد الطائرة بالوقود، وهددوا بقتل الركاب.

الأمر الذي يدل على حنكة هي ليست غريبة على صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي كان وقتها وزيراً للدفاع، وقد ظهر أثرها على كل القرارات التي اتخذها سموه في جميع المواقف.

كما يلفت النظر أيضاً في مقطع الفيديو، الذي لم يزد على دقيقة واحدة، حجم مطار دبي وقتها، وشكل الأراضي التي كانت حول مدرج الطائرات الذي حطت عليه الطائرة المختطفة. فقد كان المطار عبارة عن مبنى صغير، أما الأرض المحيطة بالمدرج فقد كانت عبارة عن كثبان رملية صغيرة، تنتشر فيها بعض النباتات والأشجار البرية بشكل عشوائي غير منتظم.

هذا المطار الصغير الذي افتُتِح عام 1960 أصبح اليوم واحداً من أكبر مطارات العالم، وتوسعت مبانيه كثيراً، وبات يتعامل مع أكثر من 65 مليون مسافر سنوياً، حيث تسيّر أكثر من 140 شركة طيران رحلات منتظمة، تربط بين دبي وأكثر من 260 وجهة في قارات العالم الست، ويتعامل مع أكثر من 2.2 مليون طن من الشحنات.

وفي ظل التوقعات بارتفاع معدلات الحركة إلى 100 مليون مسافر، و4 ملايين طن من الشحنات سنوياً بنهاية العقد الجاري، رسخ مطار دبي مكانته مطاراً حيوياً سريع النمو، يربط بين العالم بأسره، وتضم مرافقه عالمية المستوى أول وأكبر «كونكورس» في العالم مخصص لطائرات الإيرباص العملاقة A380.

وتعمل «مؤسسة مطارات دبي» على تطوير «مطار دبي الدولي» إلى جانب «مطار آل مكتوم الدولي» الذي تم افتتاحه في شهر يونيو 2010 أمام عمليات شحن البضائع، وفي شهر أكتوبر 2013 لرحلات الركاب، وسيصبح بمجرد اكتماله أكبر مطار في العالم، بطاقة استيعابية تتجاوز 160 مليون مسافر سنوياً، وطاقة مناولة تبلغ 12 مليون طن من الشحنات.

وإذا كان حجم المطار الذي بدا صغيراً في مقطع الفيديو قد تضاعف عشرات المرات، واتسعت مساحته لتشمل تلك الأراضي التي بدت صحراوية قاحلة حوله، فإن ما حول المطار أصبح مناطق عصرية حديثة، تضم فنادق فاخرة، ومرافق سياحية عالمية، ومراكز تسوق هي الأحدث والأكبر والأكثر استحواذاً على اهتمام الزوار الذين يقصدونها من شتى أنحاء العالم، ليس بغرض التسوق فقط.

وإنما بغرض الاستمتاع بقضاء أوقاتهم وإجازاتهم فيها، نظراً لما تقدمه من مستوى راقٍ من الخدمة، وما توفره لروادها من بضائع، في أجواء ترفيهية مريحة لا يجدونها لدى الكثير من مثيلاتها في مدن العالم التي كانت قبل 40 عاماً، عندما تم تسجيل مقطع الفيديو ذاك، تسبق دبي وتتفوق عليها بمراحل في البنية التحتية والمطارات والفنادق والأسواق والمرافق السياحية.

والأكثر أهمية من ذلك أن دبي، والإمارات بشكل عام، أصبحت توفر لمن يقيم فيها أو يفد إليها زائراً، الأمن والأمان الذي تفتقده أغلب دول العالم وأكثرها تقدماً، رغم تعدد جنسيات المقيمين على أرض الإمارات، واختلاف دياناتهم وأعراقهم وثقافاتهم.

لذلك فإننا عندما نعود إلى مقطع الفيديو ذاك، ونشاهد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يدير عملية مفاوضات مع مختطفين محترفين بهذه المهارة والحنكة، وينجح في حقن دماء ركاب الطائرة وطاقمها على أرض دولة الإمارات، التي لم تكن وقتها قد أكملت عامها السادس، ونرى هذا العزم والتصميم والذكاء في عيني سموه، فإن هذا يعطينا مؤشراً عن الحس القيادي والأمني العالي الذي يتمتع به سموه منذ السنوات الأولى التي تولى فيها القيادة والمسؤولية.

وهو حس رافق سموه وانعكس على جميع القرارات التي اتخذها، جامعاً بين الحرية الشخصية التي يتمتع بها المقيمون والزائرون، والأمن الذي يشعرون به، منذ اللحظة التي تطأ أرجلهم فيها أرضها، وحتى اللحظة التي يغادرونها فيها، وهذا هو سر نجاح دبي.