إن كنا اليوم نبحث عن أمهر جراحي التجميل لإجراء عملية تجميلية لأشكالنا ومقومات جمالنا، فالأولى أن نبحث عن ذلك المفكر الذي باستطاعته إجراء عملية تجميلية لأفكارنا ومعتقداتنا التي تشكلت عبر الزمن وجعلت من مفهومنا للمناصحة والأمر بالمعروف مبرراً للتدخل بعنف في حياة الآخرين وفرض آرائنا ومعتقداتنا عليهم فرضاً غير قابل للنقاش وإلا سنكون مضطرين أسفاً أو حتى بدون أسف لأن نقتص منكم وننهي حياتكم. كثيراً ما يحتدم النقاش ليصل حد الجدال حول القول المأثور «دع الخلق للخالق».
وغالباً ما يتمسك بعض المسلمين بأن هذه الجملة ليست من القواعد الشرعية بالنسبة للعلماء والمختصين، لكون ديننا الحنيف جاء بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل يتعارض مفهوم هذه الجملة البسيطة مع مفهوم الإسلام، أم أنهما يتوافقان لكن رواسبنا الفكرية تجعلنا لا ندرك ذلك؟!.
يستند كثير من المسلمين في أن من واجبهم تغيير المنكر حتى وإن كان بالعنف والتعنيف على اعتبار أن أول خطوات تغيير المنكر يكون باليد لما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم، فهل هذا الحديث جاء مشيراً إلى العنف والتعنيف أم جاء برسالة مناصحة عامة؟

في حين أن أغلب المشرعين من هذا النص يذكرون أن تغيير المنكر باليد يكون للسلطان أو من خوله هذا الحق، أما التغيير باللسان فاللوعاظ والناصحين من المختصين والإعلاميين المعتبرين والكتاب، أما الإنسان العادي فالتغيير يكون بالقلب فقط.
وجاء في محكم التنزيل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، وجاء في معنى الآية الكريمة: أنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به لا يضركم تقصير غيركم، إذن كيف يكون المنهج الصحيح للمناصحة وتصحيح السلوك، وهل يُعقل لدين سمح كالإسلام أن يأتي منادياً بأسلوب العنف في تقديم النصيحة، والأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر؟!.
هنالك حلقة مفقودة في نقاشنا الفكري هذا، فما يقوله أهل العلم في تفسير هذا التناقض أن علينا تغيير المنكر باليد، ومن ثم باللسان.. الخ، وفي حال لم يستجب الطرف الآخر فلا إثم علينا، وهذا مبداً جميل في التفسير، لكن ألا تلاحظون أن البعض أخذ منحى التغيير بالعنف لمجرد ذكر اليد كأول طريق للأمر بالمعروف؟
والدليل على ذلك أن في استكمال بيان تفسير ما عرضناه من تناقض يذكر أهل العلم بعض الأمثلة على التغيير باليد، ككسر وسائل اللهو كالآلات الموسيقية، أو الألعاب المسلية، أو حتى منع شارب الخمر من فعلته بكسر زجاجات الخمر أو الأكواب التي يشربون بها.
في ظل ما جاء في هذا التفسير يجد نفر قليل مبرراً لأي فعل إجرامي، فمن يجلس في مقهى يشرب القهوة ولم يذهب للصلاة فمن حقه أن يسحبه من يده لإقامة الصلاة في المسجد، ومن يلعب إحدى الألعاب الإلكترونية فله الحق أن يكسر الجهاز لمنعه من القيام بذلك لكونها وسيلة لهو، وحين تتطور الأمور يصبح من حقه في ظل هذا المفهوم أن يحاسب جميع البشر على أفعالهم.
وبواسطة هذا الفهم الذي بين يديه يستطيع أن يمارس أي نوع من أنواع العنف ضد أي شخص بحجة مناصحته «باليد» كونه قادراً عليه لا يهاب سلطانه، ليتعدى هذا المفهوم القوة الخفية التي تعمل تحت جنح الظلام لتفجر وتكسر وتدمر وتقتل بما أن قوة الايمان مكمنها التغيير باليد، وفقا لمفهوم هذا النفر القليل.
هذا المفهوم جعل من أمتنا الإسلامية وكأنها وصية على شعوب العالم بأديانهم ومعتقداتهم وأفكارهم، في حين أن الإسلام بمفاهيمه ومعتقداته لم يأتِ جبراً على الناس أساساً لكنه جاء بمنهج فكري يجعل الفطرة السليمة تتخذه منهجاً، لكونه يتوافق مع حاجياتنا البشرية.
ولكن لكون نزعاتنا البشرية تنقاد كثيراً للعنف والتعنيف أتخذنا من تفاسيرنا مسلكاً ليبرر هذه الأفعال.
وأوجد بعضنا تصاريح على شكل فتاوى متنوعة من كل من هب ودب تُجيز لنا استخدامها متى أردنا لتحقيق مرادنا، فلو كنا نُريد فعلاً صلاح الأمة وانتشار الإسلام لفهمنا من الأساس أن الدعوى لأي شيء لا تكون إلا بالإقناع، والعنف ما هو إلا وسيلة ضغط لا أكثر، فاستخدامه يأتي بنتائج عكسية.
في ظل هذا التباين في التفسيرات التي بين أيدينا نحن بأمس الحاجة لإعادة تجميل ما أفسدته رواسب الأيام في أفكارنا، ولو أن عملية تجميل واحدة لن تكفي لحل هذه الإشكاليات، فمن مفهوم الجهاد إلى مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألف قصة ومليون حكاية تحتاج منا لإعادة النظر بمفاهيمنا الفكرية.
والتي ما إن نبحث لها عن مبرر حتى نجد في أحد التفاسير لآيات القرآن أو الأحاديث النبوية الشريفة العديد من المبررات التي تجعلنا نُعمق مفهومنا ليصل حد القناعة التامة.
دعوا الخلق للخالق، فنحن لسنا بحاجة لمزيد من المبررات التي تبيح العنف ضد أي شخص، اتركوا عنكم مسؤولية محاسبة الناس، فالله ولي بهذا، ونحن لسنا مطالبون بمثل هذا الدور مهما تجادلنا وتحاورنا.