في تقرير من ثمانين صفحة، أنجزه المجلس العلمي الاستشاري في وزارة الدفاع الأميركية في ديسمبر المنصرم، تحت عنوان الأولويات الدفاعية السبع، وردت جملة من القضايا كتوصيات للإدارة الأميركية الجديدة، منها ما يمس الأمن الداخلي وتعزيز الدور الاستخباري وحماية نظم المعلومات، ومنها ما يتعلق بالدور الأميركي العالمي.
حيث أوصى المجلس، إدارة الرئيس ترامب في فقرة لم تأخذ عنواناً لافتاً، بإعادة النظر باستراتيجية التسلح باتجاه تحديث الترسانة النووية، والتركيز على بحوث لإنتاج رؤوس نووية ذات قدرة تدميرية منخفضة،.
ووسائل إيصالها إلى أهدافها، لأن الصواريخ البالستية التي بحوزة الولايات المتحدة التي تطلق من قواعد أرضية أو من الغواصات، ليست مجهزة لحمل رؤوس نووية منخفضة التدمير، فتأمين ذلك يوفر لواشنطن خياراً نووياً مخصصاً للاستخدام المحدود في معالجة بعض بؤر التوتر في العالم.
ومع أن جميع الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين منذ نهاية الحرب الباردة اعتمدوا سياسة الاحتفاظ بمجموعة من القدرات النووية رؤوساً ووسائل إيصال إلى الهدف، تتيح اللجوء إلى مجموعة واسعة من السيناريوهات في مقاربات الأحداث الخطيرة، تأتي هذه التوصية لتحدث نقلة هامة في العقيدة العسكرية المتبناة حتى الآن،.
وهي أن السلاح النووي ليس للاستعمال، بل للردع فحسب. وتأتي منسجمة مع ما أبداه الرئيس ترامب من إشارات خلال حملته الانتخابية من أن السلاح النووي قد يكون رداً مناسباً على هجوم تنظيم داعش، وأن من المستحسن أن تكون قرارات الرئيس بهذا الشأن مربكة للعدو.
حين يصعب التنبؤ بها، وتأتي أيضاً تلبية لما يمارسه صقور السياسة الأميركية في لجان الكونغرس الدفاعية، من ضغوطات حول ضرورة البحث عن خيارات نووية جديدة.
المجلس العلمي الاستشاري يتقارب في توصياته مع قناعات أوساط سياسية أميركية هامة في الكونغرس، من أن أعداء الولايات المتحدة قد لا ينظرون إلى الترسانة النووية الأميركية الضخمة كتهديد حقيقي، لأن هناك شكوكاً في اللجوء إلى استخدامها.
كما أن دولاً صديقة، مثل كوريا الجنوبية أو اليابان، لا تعتقد حقاً أن المظلة النووية الأميركية في حمايتهم، طالما بقيت الولايات المتحدة متمسكة بالعقيدة النووية التي أشرنا إليها.
الحصول على الرؤوس النووية ذات القدرة التدميرية المنخفضة، يتيح المجال لاستخدامها دون إلحاق أضرار بقوات صديقة قد تكون قريبة من ساحة القتال، أو حين يتطلب استخدامها في أراضي دولة صديقة.
وهو استخدام لا يقود بالضرورة إلى نشوب حرب نووية، على حد قول من يتبنى هذه الرؤية، إلا أن الأحاديث التي دارت في مجلس الشيوخ عن رؤوس نووية ذات قدرات تدميرية تعادل خمسة كيلو طن من مادة «تي إن تي» لمعالجة منشآت محصنة تحت الأرض في دول مارقة، تبقى مقلقة، فهذا الرقم يزيد قليلاً على ربع قدرة قنبلة هيروشيما التدميرية التي قتلت ما يقرب من مئة ألف شخص، وألحقت أضراراً كبيرة بالبيئة دامت سنين طويلة.
إلا أنه من جانب آخر، ليس من السهولة بمكان، أن تأخذ هذه التوصيات طريقها للاعتماد والتنفيذ، فإضافة إلى الكلفة الباهظة لتوفير هذه الرؤوس النووية، فإن من المشكوك به أن تضيف بعداً تعزيزياً للأمن القومي الأميركي، فهي من غير شك ستطلق سباق تسلح نووي جديد، لأن كلاً من روسيا والصين ستعملان كذلك على توفير خيارات مشابهة.
من جانب آخر، وما يثير القلق حقاً، أن توسيع المخزون من الرؤوس الحربية ذات العائد التدميري المنخفض، مع وسائل إيصالها، يعزز من مقبولية الحرب النووية، ويجعل من وقوعها أمراً أكثر احتمالاً عن ذي قبل.
بالطبع، ليس جميع سياسيي الولايات المتحدة يرون أن سياسة العصا النووية هي الطريق نحو استرجاع هيبة الدولة الأميركية، فالديمقراطيون قد يتحفظون على سياسات من هذا النمط، وقد تلقى اعتراضات كذلك على مستوى الرأي العام.
إلا أن الأجواء العامة السائدة في الأوساط الأميركية، تعزز من فرص الأخذ بها، مع اتساع قاعدة اليمين السياسي في الغرب، واتساع شقة الخلافات مع روسيا ومع الصين ومع دول أخرى، تعتبرها الولايات المتحدة دولاً مارقة، وتنسجم من جانب آخر مع أهواء معظم الجمهوريين الذين يسيطرون على الكونغرس بمجلسيه.
ستتضاعف أهمية هذه القضية على مدى السنوات المقبلة، خاصة أن البنتاغون يواجه مهمة تحديث الترسانة النووية بكلفة تصل إلى تريليون دولار، وما يتطلبه ذلك من إجراء تجارب على جيل جديد من الأسلحة النووية، ما يضعه في موقف لا يتفق مع معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.