الأسرى الفلسطينيون يلهمون الطلقاء

في حربهم العدوانية الضروس على أرض فلسطين؛ يستخدم الغزاة الصهاينة الإسرائيليون كل ما هو متاح لهم من أدوات القوة المادية والمعنوية، لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإملاء شروطهم عليه.

لا يخفى على المتابع عن كثب، كيف أن هؤلاء يعملون وفق مخطط استراتيجي، لا يستثني أي شاردة وواردة في الجبهة الفلسطينية إلا ويحاول النيل منها، وأنهم في ذلك، يضعون أعينهم على البيئة المحيطة، فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، وكلما آنسوا فيها فرصة لتكثيف الضغوط على هذه الجبهة، عجلوا باستغلالها دون تردد.

هذه التعميمات تسهل علينا ملاحظة التزامن والتلازم بين اشتداد الهجمة الإسرائيلية على صعيد الاستيطان وسياسات تهويد القدس، وإطلاق العنان لعنف المستوطنين، واستسهال قتل الفلسطينيين غيلة بذرائع واهية ومصطنعة، ومضاعفة التوغلات في أراضي السلطة الفلسطينية، وبين تزايد سعار حملات الاعتقال وتضخم أعداد الأسرى والتعدي عليهم، وهم بحسبهم روح القوى الكفاحية الفلسطينية، ومصدر إشعاع واسع التأثير لاستمرارية المقاومة.

القصد أن التضييق على الأسرى وتحويل حياة الأسر إلى جحيم لا يطاق، سياسة متعمدة وممنهجة وثيقة الصلة بما يجري من سياسات استقوائية ضاغطة أخرى، هدفها الأعلى إجهاض الحركة الوطنية الفلسطينية والتشكيك في جدوى المقاومة.

تقول الإحصاءات إن عمليات الاعتقال الإداري؛ الذي يعني اختطاف الفلسطيني المقصود وإيداعه رهن السجن بلا تهمة أو محاكمة، بلغت عام 2016 نحو 1700 حالة؛ بزيادة قدرها 50% عن العام 2015، كما ارتفعت وتيرة تعرض الأسرى لمظاهر التعذيب والإيذاء البدني والنفسي بين العامين 2014 و2016 بنسبة 400%.

من دلائل التعسف المشوب بالعنصرية، أن الأسرى الفلسطينيين يحملون صفة «معتقل أمني»، وهى الصفة ذاتها التي تطلق على بعض السجناء اليهود، غير أن التعامل التمييزي بين الجانبين يبدو فارقاً وصارخاً، فايغال عمير قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين، مسموح له بالحديث الهاتفي مع أسرته لمدة ساعتين يومياً، بينما لا يستطيع كريم يونس، المعتقل منذ أكثر من ثلاثين عاماً من فلسطينيي 48، استقبال زائريه، ناهيك عن التهاتف مع ذويه، إلا على فترات متباعدة جداً، هذا على الرغم من كونهما يحملان الجنسية الإسرائيلية ويخضعان جدلاً لقانون واحد.

تتلخص مطالب الأسرى في السماح لهم بالاتصال بالأهل عبر هواتف عمومية؛ وإتاحة فرص أكثر للزيارة من حيث الوقت والتكرارية؛ وإلغاء إجراءات العزل الانفرادي والاعتقال الإداري، والسماح بوصول الأدوية والكتب والصحف والملابس والمواد الغذائية؛ وأداء امتحانات شهادة الثانوية العامة وإعادة التعليم الجامعي، ومراعاة الجوانب الإنسانية عند التنقل بين السجون والمحاكم.

بساطة هذه المطالب وآدميتها واتساقها مع المواثيق الدولية ذات الصلة، واضطرار الأسرى للانخراط في إضراب عن الطعام قد يفضي ببعضهم إلى الاستشهاد لأجل تحقيقها، أمور تشير إلى حجم الفحش والظلم الذي يعانيه الأسرى تحت سياط الجلاد الإسرائيلي.

قبيل إضرابهم الذي بدأ في 17 أبريل الجاري، تناقش الأسرى مطولاً مع إدارات السجون الإسرائيلية؛ التي أبت الاستجابة لمطالبهم العادلة بالتي هي أحسن، وتوعدتهم بأقسى العقوبات إذا ما استمروا في تحديهم لها. عندئذ، شكل الأسرى لجاناً قيادية في كل السجون، والتفوا حول عنوان قيادي واحد، واتخذوه متحدثاً ومفاوضاً وحيداً باسمهم، وبذلك فإن السجناء يلهمون الطلقاء بكيفية التفاوض مع عدو يحاول دائماً بث الفرقة بين الفلسطينيين، والترويج إلى أنهم منقسمون وغير مجمعين على شريك تفاوضي.

الجانب الإسرائيلي يدرك جيداً هذا المعنى؛ كما يعي دور الحركة الأسيرة، ولاسيما عبر توجه الأسرى موحدين لانتزاع حقوقهم، في توجيه بوصلة الكفاح الفلسطيني.. ولهذا، فإنه لن ينصاع لمطالب المضربين عاجلاً، وسوف يلوذ بكل وسيلة ضاغطة كي يجعلهم يصرخون أولاً في عملية عض الأصابع الجارية.

لقد جاء صراحة على لسان متنفذين إسرائيليين بارزين «.. لندعهم يموتون جوعاً، بمنع كل شيء عنهم حتى الماء والملح..».

نحن في هذه القضية، المعركة، في صراع مع الوقت.. ففي كل ساعة تمر يتعرض المضربون لأخطار جسيمة تبلغ حد الشهادة، فلا أقل من أن نحمل رسالتهم ونكون صوتهم في جهات الدنيا؛ مقتدين بهم وبروح التضحية الوثابة، وهذا أضعف الأيمان.

تعليقات

تعليقات