للولايات المتحدة نقاط اشتباك وتوتر عديدة في العالم، مع كل من روسيا والصين، أكثرها سخونة في الوقت الحاضر، هي سوريا وكوريا الشمالية، فبعد أن وجهت إدارة الرئيس الأميركي ترامب ضرباتها الصاروخية نحو سوريا.

وتزايدت ضغوط مجموعة الدول الصناعية السبع على روسيا لدفعها للتخلي عن دعمها النظام السوري، تتجه الأنظار نحو شبه الجزيرة الكورية، مع وصول الأزمة بين واشنطن وبيونغيانغ إلى طور جديد، ينذر بمواجهة مسلحة تثير القلق، خاصة لدى الصين، الحليف الوحيد لبيونغيانغ والأقرب جغرافياً لها.

كوريا الشمالية تشكو من عزلة دولية خانقة، جراء العقوبات الكثيرة التي فرضت عليها بسبب تحدياتها الأسرة الدولية، وقيامها بإجراء التجارب النووية المحرمة دولياً، وإصرارها على المضي قدماً للحصول على صواريخ بالستية بعيدة المدى، تستطيع الوصول إلى الأرض الأميركية، حسب تصريحات المسؤولين الكوريين الشماليين أنفسهم.

عززت الولايات المتحدة ضغوطاتها على بيونغيانغ، بوصول نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى كوريا الجنوبية، لتأكيد دعم بلاده لسيؤول، وليطلق تصريحاً من المنطقة الخالية من السلاح بين الكوريتين، بأن على بيونغيانغ أن لا تحاول اختبار النوايا الأميركية، فالرئيس الحالي قد أبدى استعداداته لاستخدام القوة إذا لزم الأمر.

كما فعل في سوريا وفي أفغانستان، مشدداً على أن «عصر الصبر الاستراتيجي»، عصر الرئيس أوباما، مع كوريا الشمالية قد انتهى. وقد بدأت مع وصوله مناورات عسكرية مشتركة بين القوات الأميركية، التي يقرب عددها من ثلاثين ألف جندي، والقوات الكورية الجنوبية.

وكانت الولايات المتحدة قد تعجلت في مارس المنصرم، نشر منظومة صواريخ ثاد في كوريا الجنوبية، استعداداً للمواجهة، كان من المقرر نشرها في يوليو المقبل، وهي منظومة اعتراضية للصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في الغلاف الجوي وخارجه.

ما يكمن وراء نهج نظام بيونغيانغ التسلحي، هو هاجس سلامة النظام الذي أصبح نظاماً رئاسياً متوارثاً منذ وفاة مؤسس الدولة كيم إيل سونغ، فهو يهدد بقدراته على تدمير جارته الجنوبية وقصف اليابان، وقصف القواعد الأميركية في هذين البلدين.

وفي جزر غوام والهاواي، وهو بهذا التهديد يوفر، حسب رؤاه، قدراً من الردع يؤمن بقاءه ويجنبه مصير الأنظمة التي ترصدتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وليبيا.

القناة الوحيدة للتواصل مع بيونغيانغ، هي الصين، التي ترتبط معها بعلاقات تاريخية منذ تأسيسها، فهي أهم حلفائها وأكبر شريك تجاري لها، فالصين هي التي تزودها بشريان الحياة عبر إمدادها بالنفط والمواد الغذائية، ما يجعلها الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تؤثر في مسارات سياساتها، إذ من المستبعد جداً أن يتمكن نظام بيونغيانغ الاحتفاظ بتماسكه دون الإسناد الصيني.

ولكن رغم ذلك، فهذا النظام لم يتردد في إحراج الصين في مناسبات عديدة، خاصة تجاربه النووية التي هي موضع اهتمام مجموعة الدول الست، التي من ضمنها الصين، المختصة بمعالجة الملف النووي الكوري الشمالي.

إلا أن الصين، رغم مشاغبات هذا النظام، لديها مصالح ببقائه، لأنه عنصر هام في معادلة التوازن في جنوب شرق آسيا، فوجود هذا النظام المشاكس، يحد من الدور الياباني والدور الكوري الجنوبي، ويسهم في إشغال الولايات المتحدة، ويعيق خططها في الحصول على تفوق استراتيجي في هذه المنطقة من العالم.

كوريا الشمالية ترزح تحت أعباء عقوبات شديدة فرضتها الأمم المتحدة، وفرضتها بشكل أحادي دول عديدة أخرى، على رأسها الولايات المتحدة، إلا أنها رغم ذلك لم تغير من النهج الذي اختطته لنفسها.

ولم يعد هناك المزيد من العقوبات لفرضه إلا من جارتها القوية الصين، فالأسرة الدولية في سياق التلطيف من حدة الأزمة الراهنة، تتوقع من الصين أكثر من مجرد المناشدة التي لم تعد تجدي في وقف الاستفزازات الكورية لجارتها الجنوبية، وتحديها الأسرة الدولية.

والحقيقة أن قيام الولايات المتحدة بتسديد ضربات لكوريا الشمالية، لن يشعل حرباً بين بيونغيانغ وواشنطن، قدر ما يشعل حرباً بين الكوريتين، تعيد إلى الأذهان أهوال سنوات الحرب الكورية مطلع خمسينيات القرن المنصرم، حيث لعبت الصين دوراً بارزاً على مسرحها.