ما تريده واشنطن وما تقدر عليه

التوتر الشديد الذي خيم على شبه الجزيرة الكورية طوال الأسبوع الماضي، ينذر بعواقب وخيمة في حال خروجه عن السيطرة، فالمتابع عن كثب لتطور الأحداث في الأيام الأخيرة، يلمح بوضوح الارتفاع السريع للغاية في مستوى التوتر بين الساعة والأخرى.

ما إن يخرج عن أحد الأطراف تصريح أو فعل ليتصدر الأخبار، حتى يليه بعد فترة وجيزة للغاية، خبر آخر ينقل التوتر لمستوى أعلى، وهكذا، والموقف لم يقتصر على التراشق اللفظي والتهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.

برز مثلاً تقرير لشبكة إن بي سي الأميركية، أشار إلى أن هناك خطة أميركية لتوجيه «ضربة استباقية» لكوريا الشمالية، وهو ما رفض البنتاغون التعليق عليه.

سرعان ما عرفنا أن حاملة طائرات أميركية تحركت قرب سواحل كوريا الشمالية، بعد أن كانت قد اتجهت نحو أستراليا.

خلال ساعات، كانت الصحف اليابانية، التي طالما تدعو للتهدئة والتزام الأطر الدبلوماسية، تنشر أخباراً مؤداها أن الحكومة اليابانية شرعت فعلاً في مراجعة خططها، المعدة أصلاً، للتعامل مع الأوضاع في حال نشوب حرب في شبه الجزيرة الكورية، بما في ذلك كيفية إجلاء مواطنيها من الكوريتين.

في كوريا الجنوبية، كان قد تم تعليق العمل بمصانع سامسونغ، بعد أن جاءها تهديدات بوجود متفجرات ثبت بعد ذلك زيفها.

في أستراليا، لم يكن الوضع أفضل حالاً، خوفاً من أن تطالها صواريخ بيونغ يانغ، أما الصين، فقد تواترت الشائعات التي تتحدث عن تحرك هائل للقوات الصينية صوب كوريا الشمالية، بينما أعلنت بكين الجمعة، تعليق رحلاتها الجوية المباشرة لكوريا الشمالية، وهو ما يمثل في ذاته دليلاً على قلق الصين إزاء التصعيد المتزايد على مدار الساعة بين واشنطن وبيونغ يانغ.

استخدام الولايات المتحدة لما صار يعرف «بأم القنابل» لدك مواقع لداعش في أفغانستان، هدفه على ما يبدو هو توجيه رسالة تحذير لكوريا الشمالية، ضمن أطراف أخرى، والواضح أن كوريا الشمالية تسلمت الرسالة بالفعل، فراحت فوراً توجه تهديدات أكثر قوة، وتحديداً للولايات المتحدة ولكوريا الجنوبية، فقد هددت بيونغ يانغ باستهداف عدد من القواعد العسكرية الأميركية في كوريا الجنوبية «ومحوها من على الأرض خلال دقائق»، بينما قال وزير خارجيتها إن أي إشارة تدل على احتمال «عدوان عسكري أميركي أحمق»، ستواجهها بيونغ يانغ بضربة استباقية من عندها، وأضاف أن كوريا الشمالية تمتلك «ردعاً نووياً» يمكنها من توجيه تلك الضربة الاستباقية، دون أن يحدد بالضبط وجهتها.

اللافت للانتباه أن ارتفاع حدة التوتر كانت قد هدأت قليلاً الأسابيع الماضية، ثم عادت للتصاعد بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة.

قبل زيارة الرئيس الصيني، أطلق ريك تيلرسون في زيارته لآسيا، تصريحات بدت قاتمة وقتها، حين قال إن «سياسة الصبر الاستراتيجي انتهت» تجاه كوريا الشمالية، وأن «كل الخيارات مطروحة» في التعامل معها، بما يعني عدم استبعاد الخيار العسكري ضد كوريا الشمالية، أو السعي لتغيير النظام السياسي هناك.

وقتها شبّه وزير الخارجية الصيني، الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، بالقطارين اللذين «يتحركان بسرعة متزايدة ويسيران تجاه بعضهما البعض»، وتساءل عما إذا كان من الممكن تفادى الصدام بينهما.

لكن سرعان ما زار رئيس الصين الولايات المتحدة، وهى الزيارة التي بدا وكأن ترامب قد غير، خلالها، موقفه من الصين، وقد مثلت الزيارة أيضاً ما بدا وكأنه بداية لإيجاد توافق أميركي صيني حول كيفية معالجة الوضع في كوريا الشمالية.

لكن ما إن انتهت الزيارة، حتى كان الرئيس الأميركى يكتب على تويتر، أن الولايات المتحدة «ستتولى أمر» كوريا الشمالية «بالتعاون مع الصين أو بدونها».

وقد عادت الصين هذا الأسبوع، بعد التصعيد الجديد، لتطلق تصريحات تطالب بضبط النفس لدى الطرفين، وتحذر من حرب لا تبقي ولا تذر، مؤكدة أنه لا بد من وضع حد للتوتر قبل أن يصل إلى «مرحلة اللا عودة»، وقال وزير خارجيتها إنه «ما إن بدأت مثل تلك الحرب، فإن النتيجة لن تكون سوى خسائر بالجملة».

غير أن أخطر ما في الأمر، هو أن كوريا الشمالية، التي تحرص دوماً على علاقة ما ببكين، داعمها السياسي والاقتصادي الرئيس، راحت مؤخراً تهاجم الصين «لتعاونها مع الغرب».

من هنا، فلو نجحت الأطراف المختلفة في ضبط النفس، وتجنيب العالم ويلات حرب عالمية ثالثة، نووية هذه المرة، يبدو أن تغيير النظام في كوريا الشمالية سيكون على الطاولة، الأهم من ذلك أنه، لأول مرة، يبدو أن الصين على استعداد للتعاون في ذلك الأمر، بعد أن صار نظام بيونغ يانغ عبئاً عليها.

الصين، لا الولايات المتحدة، هي التي بإمكانها تغيير النظام في كوريا الشمالية، إذا ما قامت بتعليق تجارة الطاقة معها، ما يزعزع استقرار نظام بيونغ يانغ.

تعليقات

تعليقات