‏تمر الذكرى الثانية لتوقيع الاتفاق النووي "خمسة + واحد" مع إيران، لتقييد برنامجها النووي، ومنع طهران من الحصول على قدرات نووية عسكرية، وقد وقعت الاتفاق في 14 أبريل 2015 بين الخمسة دول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا، وبمشاركة الاتحاد الأوروبي، وبدلاً من أن يشهد الإقليم تحسناً في المشهد الأمني والسياسي، يبدو أن الأمور تسير نحو الأسوأ.

قد وجهت سهام الانتقادات إلى الاتفاق من جهات عدة بأجندات سياسية مختلفة، ومن الصعب تلمس الغث من السمين في هذه الانتقادات، ولا شك أن التوصل إلى اتفاق بين الدول العظمى وإيران، جنّب المنطقة ويلات الحرب المحتومة، إذا ما استمرت طهران في غيها، وواصلت عملية التخصيب إلى درجات عليا تؤدي لإنتاج قنابل نووية.

حققت إيران نسبة من التخصيب يمكنها للانتقال السهل للتخصيب لإنتاج يورانيوم مخصب بدرجة تزيد على التسعين في المئة، والتي هي عتبة الإنتاج النووي، وبعد تحقيق مستوى 20 % من التخصيب، والتي حازت عليها إيران، يصبح الوصول إلى معدل تخصيب أعلى من تسعين عملية تكرارية ليست إلا.

هذا ما أقلق الدول الغربية ومعها روسيا والصين، وسارعت إلى توقيع الاتفاقية النووية لوضع ضوابط للبرنامج النووي الإيراني، ورغم أن بعض هذه الدول كانت متشددة وتتبنى عدم السماح لإيران بالقيام بالتخصيب، إلا أنها، وفي نهاية المطاف، قبلت نسبة 3.5 % من التخصيب على مضض.

كانت طهران تجادل بحقها، حسب المادة الرابعة من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والتي تسمح للدول الموقعة على الاتفاق بالتخصيب، كما جاء في النص «لا شيء في هذه المعاهدةِ سيترجم كتَأثير على الحقّ الثابتِ لكُلّ الأطراف في المعاهدة لتَطوير البحث وإنتاج واستعمالَ الطاقة النووية في الأغراض السلمية بدون تمييز، وبالانسجام مع مادة 1 و2 من هذه المعاهدةِ». وكان الجدل حول إذا ما كان تطوير البحوث تشمل عملية التخصيب، فبالنسبة لواشنطن، فإن البحوث تعني تطوير قدرات نووية سلمية دون التخصيب.

ولكن هناك كثير من اللغط حول اتفاق جانبي بين إدارة أوباما وإيران، وأن هذه الوثائق أودعت بالمرافق المعزولة للمعلومات الحساسة في واشنطن، ولا يستطيع العامة أن يطلعوا عليها إلا أعضاء الكونغرس وموظفوهم والذين منحوا تصاريح أمنية عالية، ما يزيد من تشكك دول المنطقة حول فحوى الاتفاقية.

ليست الدول الخليجية الوحيدة التي تتوجس خيفة من البنود غير المعلنة للاتفاق، ففي مهمة تقصي الحقائق، والتي قام به السناتور توم كوتن، وحينها النائب مايك بمبيو (يشغل حالياً مدير وكالة المخابرات المركزية) إلى فيينا، التقي الاثنان بمسؤولين في وكالة الطاقة الذرية، والذين كشفوا لهما أن إدارة أوباما منحت إيران استثناءات للاتفاقية، بغية مساعدتها على الوفاء بالتزاماتها والحصول على الأموال المجمدة.

الأخطر من ذلك أن وكالة الطاقة الذرية ستعتمد كلياً على إيران لجمع عينات من التربة في معسكر بارشين، والذي يعتقد بعض الخبراء أنه كان موقعاً تجرى فيه البحوث النووية العسكرية، وقد رفضت طهران السماح بمفتشين دوليين من جمع هذه العينات، والتي سيتم فحصها للتأكد من أن إيران لم تكن منخرطة في تطوير سلاح ذري، ويعتقد بعض المراقبين أن الاعتماد على إيران أن تحقق من نشاطاتها النووية السابقة، كمن يأتمن الذئب على الغنم.

في تقرير نشره معهد العلوم والأمن الدولي، أن من ضمن الاستثناءات التي منحتها إدارة أوباما لإيران، تخطي كمية اليورانيوم المخصب بمعدل 3.5 % من ثلاثمئة كيلوغرام.

كما أن هناك استثناءات بالسماح لإيران بالاحتفاظ بكمية من اليورانيوم المخصب إلى درجة 20 %، إضافة إلى ذلك، فإن الاستثناءات سمحت لإيران أن تتخطى كمية الماء الثقيل المسموح به حسب الاتفاقية، كما أن الاستثناءات شملت الاحتفاظ بكم من الخلايا الساخنة النووية كبيرة للتعامل مع بقايا لمواد المشعة أو الطب النووي.

رغم أن الاتفاقية علنية، إلا أن الحكومة الأميركية تصر على إبقاء هذه الأجزاء سرية، وتعزز الطبيعة السرية لهذه المخاوف لدى دول المنطقة، وقد كشفت مصادر صحافية أميركية بعيد انتخاب دونالد ترامب، بان الأخير ينوي نشر هذه الوثائق، وقد انتقد النائب الجمهوري بيتر روسكام حجب الاتفاقية من التمحيص العام وإخفاءه عن الراي العام الأميركي، وقال إن على الشعب الأميركي أن يعرف أن هذه الاتفاقية سيئة و«بإمكاني أن أخبرك بأنها أسوأ حتى مما يظن معظم الناس».

رغم أن الرئيس أوباما حاول تطمين دول المنطقة بشأن الاتفاقية مع إيران، إلا أن هناك شكوكاً تساور الكثير في المنطقة وخارجها حول الاتفاقية، ولم ينفك الرئيس السابق من إرسال رسائل تطمينية إلى الحلفاء والأصدقاء في المنطقة دون جدوى، فحين يشكك أعضاء في الكونغرس ومراكز الأبحاث والصحافيون بالاتفاقية النووية مع إيران، فإنه من الصعب إقناع كثير من الدول الصديقة بها. يستطيع الرئيس ترامب كشف كل هذه الاتفاقات الجانبية دون الدخول في دوامة إجراءات رفع السرية عن الوثائق، لأنها في الأصل لم تكن تحمل أي تصنيف.

قديماً قال الشاعر: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود