تمنعت بريطانيا عن الالتحاق بقطار العمل الأوروبي الجماعي عند انطلاقته الأولى قبل ستين عاماً، لكنها عادت وطلبت الانخراط في الركب.

وقتذاك، لم يتم تلبية طلبها إلا بعد أن جف ريقها وحفيت أقدامها، بفعل صدود فرنسا أساساً، وألمانيا بدرجة أقل، وهما الدولتان اللتان قادتا التجربة، وأثبتتا فيها وفى عموم القارة العجوز، أن الماضي المغموس بالعداءات الدامية، لا ينبغي له التحكم في صناعة مستقبل أكثر إشراقاً.

اتضح لاحقاً أن المخاوف الفرنسية والألمانية كان لها ما يبررها، فما إن تحقق لبريطانيا ما أرادت، حتى أطلت نوازعها المصلحية النفعية الذاتية الخالصة، وتوالت مداخلاتها السلبية.غير أن سعة صدر الاتحاديين أغرت، في ما يبدو، الشريك البريطاني بمزيد من «الدلال»، بحيث حصل على وضع استثنائي لم يبلغه أي عضو آخر في التجربة، ومن ذلك أن عدداً من أهم مخرجات الاتحاد الأوروبي لم يطبق عليه، كالقوانين الخاصة بالحقوق الأساسية، والسياسة النقدية والاقتصادية، بما فيها العملة الموحدة، وبعض الإجراءات الموصولة بالحريات والأمن والعدالة، وتنقل الأشخاص بموجب صيغة «شنغن» الشهيرة، والإعفاء من الاتفاقات التي تسمح للمحكمة الأوروبية بمراقبة الموازنات المحلية، هذا بالإضافة إلى أنه أتيح لبريطانيا هامش واسع للاعتراض البرلماني على التشريعات الاتحادية.

مع كل هذه الظروف، صوّت البريطانيون في الصيف الماضي بأغلبية طفيفة، لصالح مغادرة التجربة برمتها، الأمر الذي أحدث صدمة مزلزلة للفكر الاتحادي في عموم القارة، وأثار موجة من الحيرة لدى المعنيين في جهات الدنيا بتطور النظم الوحدوية الإقليمية.

لندن، على الرغم من سلوكها المحبط النزق، وتمردها على تجربة اتحادية إقليمية هي الأكثر نجاحاً بين نظيراتها، وما سببته للشركاء من آلام، فإنها ما زالت تطمع في خروج آمن على مختلف الصعد، ولا يخلو من تحصيل مكتسبات، فهي تود، مثلاً، الاسترداد العاجل للسيطرة والسيادة الكاملة على الحدود وعلى حركة الأوروبيين في بريطانيا، ووقف العمل بأحكام محكمة العدل الأوروبية فوراً، واستمرار التعامل مع الأسواق الأوروبية بدون الخضوع للمعايير الاتحادية، وذلك كله يعنى مكافأة القوميين الشوفينيين ورافضي المسيرة الاتحادية على موقفهم، وإغراء أمثالهم في عموم الاتحاد بمحاكاتهم.

القصد، أن لندن تريد أكل الكعكة والاحتفاظ بها في وقت واحد، وهذا ضرب من المستحيلات، ومن التعليقات ذات المغزى بهذا الخصوص، ما ذكرته هيئة تحرير مجلة الإيكونومست الرصينة «.. طلب بريطانيا رسمياً الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، هو يوم أسود كئيب، فهو يعني الاصطدام بالواقع وليس بالتوقعات اليوتوبية، التي وعد بها الانفصاليون، فالبريطانيون سيخسرون امتياز بلوغ أسواق القارة، وهى سوقهم الرئيسة، والطلاق البائن مع أوروبا يحتاج إلى الوفاء بحقوق المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، ودفع فاتورة الانسحاب التي تبلغ البلايين من اليورو».

هذا التصور يبدو كئيباً بالنسبة لبريطانيا ما بعد الاتحاد، لكنه أقرب إلى الدقة، وهناك ما يوحي بنفاد صبر الاتحاديين تجاه المراوحة البريطانية في مربعات الميوعة ومطامع الاستحواذ، فلندن ترغب في أولوية إبرام اتفاقات حول مستقبل علاقاتها بالاتحاد قبل إنجاز اتفاق الانفصال، لكن كبار الاتحاديين، وعلى رأسهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قالوها صراحة «.. مفاوضات بريطانيا حول الخروج من الاتحاد لا يمكن أن تجرى معها مناقشات حول مستقبل العلاقة معها.. لا بد أولاً من تصفية الروابط السابقة..».

ولم يكن رئيس وزراء سلوفينيا روبرت فيكو على هذا المستوى من الكياسة، حين صرح بأن «.. الاتحاد الأوروبي سيسعى لجعل خروج بريطانيا مثلاً مؤلماً جداً، بحيث يقول للناس لماذا عليهم البقاء فيه..».

وفقاً لهذا المنطق، فإن غضبة الاتحاديين الأوروبيين ضد التصرف البريطاني، ربما تضمر شيئاً من الانتقام، لكنها يقيناً تمثل إجراء وقائياً في مواجهة من تسول لهم أنفسهم تقليد الفعلة البريطانية.