شهدت الأيام الأخيرة أحداثاً دراماتيكية هزت العالم، رغم أنها جرت في بلد صغير، هو سوريا، فبعد أن صدرت عدة تصريحات عن مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي ترامب حول واقعية القبول ببقاء الرئيس السوري في سدة الحكم، تُوجت لاحقاً بموقف الرئيس نفسه، جاء على لسان الناطق باسم البيت الأبيض، فوجئ العالم، بل صُدم بقيام طائرات النظام السوري بالهجوم بالغازات السامة على خان شيخون في محافظة إدلب، حيث أظهرت وسائل الإعلام مشاهد مؤلمة لأطفال يلفظون أنفاسهم الأخيرة، أعادت للأذهان مأساة استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي المحرم دولياً عام 2013.

موجات الاستنكار لهذه الجريمة عمت جميع أرجاء العالم، ودفعت الرئيس الأميركي، الذي سبق أن انتقد سلفه بالتراخي إزاء حدث جلل كهذا، ليعلن، وهو في أشد حالات التأثر والغضب، بأن موقفه من النظام السوري والرئيس الأسد قد تغير كلياً، وأنه لا مكان لهذا الرئيس في مستقبل سوريا، ولم يتردد بترجمة انفعالات وغضب إدارته، إلى فعل قوي دون الرجوع إلى الكونغرس، حيث أمطرت البوارج الأميركية في البحر المتوسط، قاعدة الشعيرات الجوية التي انطلقت منها الهجمة بنحو ستين من صواريخ كروز توماهوك.

عزز الرئيس ترامب موقفه الداخلي بهذه الضربة، التي لقيت استحساناً لدى زعامات من الحزبين، فقد لقيت استحساناً من الزعيمين الجموريين جون مكين ولندسي غراهام، اللذين سبق أن استنكرا بشدة الموقف التصالحي مع النظام السوري، الذي صدر عن إدارته في وقت سابق.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو، ما الذي دفع النظام السوري لخوض هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، في الوقت الذي توافرت له فرصة ما كان يحلم بها للبقاء، حين تخلت إدارة الرئيس ترامب عن خيار رحيله؟.

تساؤل يصعب الإجابة عنه دون التطرق إلى أهداف اللاعبين الآخرين الأكثر أهمية في رسم مسارات الأزمة السورية، روسيا وإيران، الشديدتا الرغبة في اختبار الإدارة الأميركية الجديدة، والتعرف إلى المديات التي قد تذهب إليها.

إذ ليس من المعقول أن تكون روسيا الضامنة لتخلص النظام من الأسلحة الكيمياوية في الصفقة التي جنبته الضربات الصاروخية التي كان على وشك التعرض لها عام 2013، جاهلة بما يدور في هذه القاعدة الجوية، فلها حضور قوي فيها، حرصت واشنطن على عدم استهدافه حين أخبرت موسكو بالضربة الصاروخية قبل أربع ساعات من تنفيذها.

تداعيات هذا التطور المفاجئ كثيرة وهامة، فلجوء الولايات المتحدة إلى خيار القوة بعيداً عن مجلس الأمن، فيه رسائل مباشرة لروسيا والصين، الدولتين اللتين طالما عرقلتا قراراته الخاصة بالشأن السوري على مدى السنوات الست الماضية، كما فيه رسائل لدول معادية للولايات المتحدة، إيران وكوريا الشمالية، ولكن أكثر هذه التداعيات أهمية، هو انعكاساتها على العلاقات الروسية الأميركية، فقد استقبلت موسكو هذا الحدث بغضب شديد، فالبيان الذي صدر عن الكرملين في السابع من أبريل الجاري، اعتبر «الضربات الجوية الأميركية على سوريا، عملاً عدوانياً على دولة ذات سيادة، ينتهك القانون الدولي».

والحقيقة أن هذه الضربة قد أظهرت عجز روسيا عن حماية حليفتها إذا حزمت واشنطن أمرها، وأخذت بخيار تدمير جميع القواعد الجوية السورية، الذي وضع أمام الرئيس الأميركي واستبعده، ربما مؤقتاً.

كان من المؤكد أن يكون لروسيا رد أو ردود على الضربة الأميركية، ولكن ليس بشكل مباشر ضد الولايات المتحدة، فقد أعلنت عن تعليق البروتوكول الخاص بضمان منع الاحتكاك في الأجواء السورية، وأوقفت علاقات التعاون والتشاور مع واشنطن حول الشأن السوري، ومن المتوقع أن تبدأ بصب جام غضبها على الفصائل السورية المسلحة المدعومة من واشنطن، وربما تعمل على خلق أجواء توترات عسكرية في أوروبا، عن طريق تكثيف المناورات العسكرية.

الهجمات الصاروخية الأميركية على سوريا، سددت ضربة قوية للعلاقات الروسية الأميركية، التي هي أصلاً في حالة سيئة، والآمال التي عقدتها موسكو على التقارب مع واشنطن، في ظل إدارة الرئيس ترامب، بدأت بالتلاشي.

من المتوقع أن تتجه هذه العلاقات نحو المزيد من التردي، إذا قررت الولايات المتحدة اتخاذ خطوات تنفيذية للإطاحة بنظام الأسد، فالموقف الرسمي للبيت الأبيض، عاد إلى سابق عهده إبان حكم الرئيس أوباما، وعاد مصير الرئيس السوري على طاولة البحث، مع فارق هام، هو عدم تردد إدارة ترامب بالذهاب إلى ما لم تذهبه إدارة سلفه.

الضربة العسكرية التي نفذتها إدارته، ستضعف موقف وفد النظام المفاوض في جنيف، حيث من المتوقع أن يكون لواشنطن حضور قوي فيها.

رغم الرسائل المختلطة التي صدرت عن البيت الأبيض، فليس من المرجح أن تقوم واشنطن بالمزيد من التصعيد في وقت قريب، وليس من المتوقع توسيع الضربات الجوية، ما لم يعمد النظام السوري إلى تحدي الرأي العام العالمي، وهو ما حذرت منه سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، من أن بلادها قد تكون مستعدة لتوسيع حملتها العسكرية ضد دمشق.