عقدت القمة العربية الثامنة والعشرون في البحر الميت بحضور عدد كبير من الزعماء العرب (17 من ملوك ورؤساء دول) بخلاف القمة السابقة في موريتانيا التي لم يحضرها سوى سبعة من الزعامات العربية، ولعل هذا مؤشر إلى ما توليه الدول العربية من أهمية لهذه القمة.

ويمر النظام العربي الإقليمي بأصعب مراحل تاريخه منذ عصر الاستعمار ونكبة فلسطين، ففي تلك الحقبة كانت هناك ثوابت ومبادئ بني عليها النظام العربي، ولكن المرحلة الحالية تعاني من تخبط وانعدام الإجماع على أي أسس للعمل العربي المشترك.

وقد نعى أستاذ للعلوم السياسة في جامعة أميركية، الدكتور قلين بيري، النظام العربي في العام 1984 في مقالة بعنوان «النظام العربي وتآكله»، وينسب البرفسور بيري تفتت النظام العربي إلى الاختراقات الإسرائيلية التي حدثت للنظام العربي، كما أنه يشير إلى تنامي نفوذ دول الجوار (إسرائيل، إيران، تركيا، وإثيوبيا) على النظام العربي.

في العام 1984 كانت هناك ملامح لدور دول الجوار في المنظومة العربية، ولكن الآن يبدو أن اللاعب الرئيس في الإقليم العربي هو دول الجوار ولاسيما تركيا وإيران والقوى العظمى، فمن أهم ركائز أي نظام إقليمي هو الاحتفاظ باستقلال نسبي من الدول الخارجة عن الإقليم، وأن تماسك وحدات النظام أقوى من أي اختراقات خارجية.

منذ تشكل النظام العربي الإقليمي بعد تقسيم سايكس-بيكو وبروز تكوينات سياسية مستقلة، بدا المستوى الوطني يتبلور ويقوى على النظام الإقليمي.

لقد كان سابقاً تحصيل مجموع الكل أكبر من مجموع الوحدات السياسية المكونة له، وبالتالي تغلب النظام على مكوناته.

وأي دولة شرقاً أو غرباً لها منطقها ومصالحها التي قد لا تتفق مع المصالح الإقليمية أو الدولية أو منطقهما، والدولة القُطْرية لا تختلف عن بقية الدول باستثناء سياقها التاريخي والثقافي والإقليمي.

احتدم التنافس بين الدول العربية، حسب منطق الدولة، وعقدت تحالفات من داخل النظام العربي الإقليمي وخارجه، كما أن الدول العظمى كان لها حظ عظيم من عقد التحالفات مع اللاعبين المختلفين، بل على مستوى اللاعبين الداخليين في الوطن الواحد، كما حصل في لبنان، ويحصل اليوم في العراق، واليمن وسوريا وفلسطين.

أزمة النظام العربي ليس بسبب سياسات تتبعها الدول العربية، ولكن بالعكس، فالأزمة بنيوية تنتج عنها السياسات التي نراها من تمهيد لتداخلات خارجية أو صلح منفرد مع إسرائيل على حساب قضية العرب الأولى أو كما في حالة غزو العراق للكويت.

أي إعادة تأهيل أو إصلاح للنظام العربي الإقليمي لن تقوم له قائمة إلا بمعالجة هذه الاختلالات الهيكلية.

إضافة إلى ذلك، فإن الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، وزير خارجية البحرين، أشار في معرض كلمته التي ألقاها أمام مؤتمر «حوار البحرين» في ديسمبر الماضي، أن ثلاثة من أربعة أركان للنظام العربي، وهم السعودية ومصر وسوريا والعراق، يغيبون عن الساحة، ويبدو أن تعافي النظام العربي الإقليمي مرتبط بطبيعة الحال بتعافي أركانه.

في نفس المؤتمر، تحدث الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبوالغيط، مقترحاً إدارة النظام بكل علله بدلاً من إعادة هندسة النظام العربي الإقليمي، الذي يراه متعذراً في ظل الظروف الراهنة، وقد رسم الأمين العام عن مبادئ عامة لتشييد نظام أمني للإقليم.

وأول المبادئ التي تحدث عنها أبوالغيط هي أولوية سيادة الدول، ودعا إلى معاهدة وستفيليا (1648) جديدة للمنطقة تؤكد سيادة الدول على أراضيها وسكانها دون النظر للهوية الدينية لأفراد المجتمعات المنضوية تحت سيادة دول المنطقة.

ثانياً، احترام الحدود، ورغم الاعتراض العام على سايكس-بيكو وتقسيم العالم العربي إلى دول ورقع جغرافية، إلا أنها الضامن الأكبر لاستقرار هذه الدول، وأي مشروع لتغيير الحدود الوطنية سيزعزع الاستقرار في المنطقة.

ثالثاً، اتباع سياسات لا مركزية في الدول العربية بحيث تسمح للأقليات الدينية والعرقية بممارسة حرياتها والحصول على مصالحها؛ فكثير من الأقليات لا يثق بعضها ببعض، ومنحها استقلالاً ذاتياً يساعد على تثبيت الوضع والحفاظ على كيان الدولة.

رابعاً، التوصل لحل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي بناء على حل الدولتين، ولا يمكن للنظام الإقليمي أن ينعم بالاستقرار ما لم ينتهِ هذا الصراع الذي يستغله المتطرفون لتأجيج الصراعات في المنطقة.

خامساً، مطالبة المجتمع الدولي بنزع أسلحة الدمار الشامل، سواء كانت بيولوجية أم كيميائية أم نووية، عبر فرض إجراءات على الدول التي تمتلك هذه القدرات، مثل إسرائيل، أو الدول التي تحاول امتلاك هذه القدرات، مثل إيران، ونزع أسلحتها والتصدي لمساعيها في الحصول على أسلحة دمار شاملة.

وأخيراً، تحتاج المنطقة إلى مشروع «مارشال» لانتشالها من الحالة الاقتصادية المتردية التي تعاني منها، وتسهم الحالة الاقتصادية في تفاقم أزمات المنطقة المستمرة.

وبطبيعة الحال قد يختلف أو يتفق البعض مع هذه المبادئ التي طرحها الأمين العام، ولكنها بلا شك تشكل إطاراً تستطيع أن تحوله الجامعة العربية إلى آليات عمل، وقد كانت الفرصة مواتية لعرض هذه المبادئ على قادة الأمة العربية في الاجتماع الأخير في البحر الميت والتحرك من القول إلى الفعل.