تزامنت القمة الثامنة والعشرون لقادة النظام الإقليمي القومي العربي على مشارف البحر الميت، مع لقاء الزعماء الأوروبيين في روما احتفالاً بالسنوية الستين لميلاد تجربتهم الاتحادية شبه القارية.
من المفارقات هنا، أن القلق والحياة على صفيح ساخن معالم أحاطت بالعمل العربي المشترك، بمختلف مسمياته، منذ لحظة الميلاد، لكن هذه الحالة تبدو أمراً مستجداً ولافتاً بالنسبة للأوروبيين.
هذا التفاوت في الخبرات يسجل لصالح أهل النظام العربي؛ الذين تعززت لديهم جينات المناعة وعدم الإفراط في التفاؤل في لحظات النجاح القليلة، كما قويت مناعتهم ضد مظاهر الفشل والنكوص.
دأب الوحدويون العرب على حض قومهم على محاكاة النموذج الأوروبي، والظاهر أن المستقبل القريب سيحمل مشهداً معاكساً تماماً.
سياسات المحاور وتباين أنماط التحالفات الخارجية، وعدم التوافق على سقف العمل الجماعي المنشود، واختلاف مستويات التطور الاقتصادي وتفاوت الحظوظ من الغنى والفقر وموارد القوة، وكثرة الأعداء والمتربصين سراً وعلانية؛ هذه هي بعض أهم المعطيات التي أوهنت النظام العربي، وجعلته عرضة للأنواء على الصعيدين الداخلي والخارجي.
على الجانب الآخر، عرف الأوروبيون معظم هذه العوارض، بسبب اختلاف ألسنتهم وثقافاتهم البينية، ورسوخ الدول القومية عندهم ووجود تاريخ من الحروب الدامية والثارات بينها، لكنهم نجحوا في معالجتها، عبر ضوابط مؤسسية وإجراءات تشبيك مصلحية، جرى الالتزام الصارم بها.
ضمن الأجواء التي كانت مواتية طويلاً للأوروبيين، تسامح القوتين الأعظم على قمة النظام الدولي، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، تجاه خطواتهم الاتحادية.
حدث ذلك لأسباب مختلفة، لقد تصورت موسكو أن اندماج الأوروبيين سيحررهم من زعم الحماية الأميركية، فيما أضمرت واشنطن أن أوروبا الغربية الموحدة، سوف تشكل حائط صد ضد التيارات والأهواء الاشتراكية والشيوعية الضاغطة من الشرق.
التجربة العربية لم تنل هذه الحظوة، فهي ظلت ممقوتة ومطاردة من قوى الجوار الملاصق والقريب، وكذا من القوى الرابضة على قمة النظام الدولي.
اليوم، هناك مؤشرات على تغير الدنيا من حول النموذج الأوروبي، لاسيما بعد زوال الاتحاد السوفياتي وإفلات دول شرق القارة العجوز من هيمنته وسطوته، وانخراط معظمها في هذا النموذج.
لكن هذا المستجد؛ الذي يفترض أن يكون فأل خير، انطوى على مساوئ وأخطار، منها بلا حصر بروز التفاوت الاقتصادي والمالي بين أحوال الأعضاء القدامى والجدد، وزيادة الأعباء على الدول المؤسسة الغنية، وبالتبعية، زاد تبرم أغنياء الاتحاد وإحساسهم بأنهم مجرد بقرة حلوب للفقراء القادمين من خلف الستار الحديدي.
هذا منح التيارات القومية الشعبوية والمتطرفة فرصة للتوسع واستقطاب الأنصار، على حساب الوحدويين المؤمنين بالفكرة الأوروبية العابرة للقوميات، وقد حققت التيارات الانعزالية جانباً من أهدافها، حين أفلحت في إخراج بريطانيا من عباءة هذه الفكرة.
اليوم أيضاً، على الوحدويين الأوروبيين أن يتحسسوا مواطئ أقدامهم، في ضوء الدعوة الأميركية غير التقليدية؛ التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب وبطانته، ومؤداها الفتور إزاء الاتحاد الأوروبي، والمناداة جهرة بالسير على الطريق الذي سلكته بريطانيا.
التجربة الوحدوية الأوروبية باتت كجارتها العربية، وشيكة الوقوع في أحابيل رياح غير مبشرة، على المستويين الداخلي والخارجي، والفارق بين التجربتين أن العرب تعاملوا مع هذه الرياح، بالقدر الذي سمح لتجربتهم بالبقاء مع الحد الأدنى من الفعالية والإنجاز. فكيف سيتصرف الأوروبيون؟!