كان عام 2016 في دولة الإمارات عاماً للقراءة، وعلى الرغم من حملات التوعية المكثفة بأهمية القراءة التي روجت لها كل دوائر ومؤسسات الدولة بأهمية القراءة ودورها المهم في توسيع المدارك وتطوير الذات، ووضع التجارب والمهارات التي يستقيها الإنسان من الكتاب في تطوير ذاته، إلا أن مستوى القراءة عندنا لا يزال دون المأمول.

فلا تزال أعداد القراء متواضعة، مقارنة بالدول الأخرى، ولا يزال الكتاب يعاني من قلة الإقبال، ولا يلعب دوراً محورياً في إيقاعات حياتنا اليومية، ولا تزال المعلومة التي يستقيها الفرد، خاصة الشباب، من وسائل التقنيات، أكثر بكثير من تلك المستقاة من الكتاب الورقي أو الإلكتروني، ولا تزال القراءة السطحية، مقارنة بالقراءة الجادة، هي المسيطرة على الساحة، رغم كل الجهود التي بذلت للاحتفاء بالكتاب الجاد وصناعته.

هذا الوضع يقدم لنا مؤشرات أعمق على مستويات الوعي الثقافي لدينا، فالقراءة هي أحد أهم المؤشرات الدالة على تنامي الوعي الثقافي، فأهمية القراءة الجادة لا تخفى على أحد، فهي مفتاح توسيع المدارك، ولمعرفة التطورات التي تحصل في عالمنا، وحلقة للتواصل مع الآخر، وعلى الرغم من ذلك، تشهد القراءة على المستوى العربي عموماً، تدني نسبة الإقبال، مقارنة بالقراءة عالمياً، والأسباب متعددة، فهناك عوامل ثقافية واقتصادية واجتماعية، أدت إلى هذه النتيجة السلبية.

بما أن صناعة الكتاب مرتبطة بقطاعات اقتصادية ولوجستية حيوية، كالنشر والتوزيع والتأليف، وهي قطاعات تتطلب الاهتمام والتشجيع والدعم، لذا، أصبحت مهمة تشجيع كل تلك القطاعات، عملية مهمة لدعم صناعة الكتاب والترويج له.

ليس هذا فحسب، بل عملية مهمة وأداة ضرورية، إذا ما أردنا منافسة الآخر والترويج الثقافي لأنفسنا، فقد أدركت الكثير من الدول المتقدمة، أهمية الترويج الثقافي، ولهذا تولي أهمية كبيرة لصناعة الكتاب، بوصفه أداة للترويج، ومقياساً للتطور الثقافي والفكري، تقاس به نهضة الدول ورقيها الإنساني.

وترتبط صناعة الكتاب عندنا، بتحديات، أهمها مستويات القراء ومتطلباتهم، فهناك القارئ النهم الجاد، الذي يقرأ بانتظام، وفي كل حقول المعرفة، ويرغب في التواصل مع نتاج الآخر، وهناك القارئ المتخصص الذي يقرأ في حقله فقط، ولكن الغالبية الكبرى من القراء الذين يقرؤون بين الحين والآخر، وفي أي مجال.

نوعية القراء تلك، هي مؤشر مهم، يحدد بوصلة صناعة الكتاب، حيث يعتمد الناشر على هذا العامل كمؤشر لنسبة النشر والتوزيع، وبالتالي، البيع، ولهذا، يعتبر البعض أن صناعة الكتاب عندنا، تعد مؤشراً حقيقياً على الوضع الثقافي، بل والوعي الثقافي السائد، فعلى الرغم من أن نسبة بيع الكتب قد تكون كبيرة، إلا أنها ليست مؤشراً على ارتفاع الوعي الثقافي.

تحديات القراءة كثيرة، يأتي على رأسها التطور التقني، الأمر الذي ترتب عليه توفر المعلومة تقنياً، وبسرعة فائقة، ودون انتظار أو عناء، كما أن سرعة إيقاعات الحياة التي أصبحت تمل الانتظار، كلها أسباب تدفع القارئ إلى البعد عن الكتاب الورقي، واللجوء إلى اقتناء المعلومة إلكترونياً، وبدون أي عناء، كما أن البعض يربط ما بين ارتفاع ثمن الكتاب وحجمه، وبين تدني مستوى القراءة.

إن نظرة سريعة على الوضع الثقافي العام ومستوى الوعي بأهمية الكتاب، يتضح لنا أننا ما زلنا بعيدين على الهدف التي وضعناه لأنفسنا، فما زال القارئ الشاب بعيداً عن القراءة الجادة، سواء من الكتاب الورقي أو الإلكتروني، كما ما زالت القراءة المختزلة هي المهيمنة على الساحة، ولا يزال قطاع التأليف والنشر يعاني من عدة تحديات جمة، أهمها الدعم وغياب الحوافز المادية، ولا يزال قطاع النشر يزحف ببطء، على الرغم من وجود رغبة حقيقية بين فئة جادة لتذليل العقبات وضخ الدماء في جسد هذا القطاع الحيوي.

إن أول خطوة في طريق تشجيع القراءة، هي دعم صناعة الكتاب، وإزالة كل العقبات من طريق المؤلف والناشر والموزع، كما أن تشجيع القراءة الجادة، هي تحدٍ آخر يواجهنا، ولن ننجح فيه ما لم ننجح في تقديم دعم قوي لكل القطاعات المرتبطة بتلك القراءة، من تأليف ونشر وتوزيع، حتى ننجح في تقديم عمل جيد ننافس به الآخر، بهذا، نكون قد نجحنا في الترويج لأنفسنا ثقافياً وفكرياً.