يحاول كثير من المحللين، معرفة ما هي دوافع ومحركات السياسة الخارجية الروسية عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً، والحديث عن الدور الروسي في المنطقة ليس بالجديد، ولروسيا مصالح جيوسياسية في المنطقة من عصور غابرة.

روسيا القيصرية دخلت في حروب متعددة مع الدولة العثمانية، استمرت من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين، وقد تقاسمت روسيا القيصرية إرث رجل أوروبا المريض، أي الدولة العثمانية، مع الدول الاستعمارية، وهي فرنسا وبريطانيا.

كشف الثوار البلشفيون مؤامرة ما عرف بسايكس-بيكو، والتي قسمت العالم العربي إلى مستعمرات بين بريطانيا وفرنسا، على أن تمنح روسيا القيصرية أجزاء من تركيا، ولكن الثورة الروسية، حالت من حصول روسيا على نصيبها من هذه الغنيمة.

وفي زمن الاتحاد السوفييتي، لعبت موسكو دوراً مهماً في دعم كثير من الدول العربية، وخاصة تلك التي كانت في مواجهة مع إسرائيل، وقد أعطى الدور الأميركي المنحاز كلياً إلى إسرائيل، فرصة للاتحاد السوفييتي للعب دور مهم في المنطقة، ومع اشتداد الحرب الباردة بين القطبين الأميركي والسوفييتي، اشتد معه الاستقطاب في المنطقة بين الدول الثورية العربية، والدول المعتدلة والمتحالفة مع الولايات المتحدة.

وقدم القطبان مساعدات كبيرة لحسر نفوذ الآخر، وتسجيل نقاط إيجابية لصالحه، وللأسف، ضاعت كثير من المصالح لهذه الدول بسبب صراع القطبين، واللذين لم يستطيعا الخوض بمواجهة مباشرة، بسبب امتلاكهما أسلحة تستطيع تدمير العالم عدة مرات. وفضلاً أن يكون مواجهتهما عبر دول المنطقة والعالم الثالث.

ولكن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه، اتبعت موسكو سياسات مهادنة للغرب، والولايات المتحدة بالذات، وعلى ما يبدو، فإن الروس شعروا بكثير من الغبن من جانب الغرب، وأن الغرب بدأ يتصرف بطريقة المنتصر في الحرب الباردة، ولا يأبه بمصالح الدول الأخرى.

ولا سيما روسيا، ومما زاد الطين بلة، تمدد حلف الناتو شرقاً، ما جعل روسيا تشعر بأن الغرب يضرب طوقاً حولها، كما أن دخول بعض دول حلف وارسو سابقاً في الاتحاد الأوروبي، عزز من شكوك موسكو في نوايا الغرب تجاهها.

وعند وصول ضابط المخابرات السوفييتية، فلاديمير بوتين، إلى الحكم في عام 2000، بدأت موسكو تنظر إلى الأمور بنظرة جيوستراتيجية مختلفة، وبدأ الشعور بالمهانة التي ذاقتها روسيا على أيدي الدول الغربية، تترجم إلى سياسات مضادة للتمدد الغربي نحو حدود روسيا، لمنع ما تراه موسكو اختراقات غربية في مجالها الحيوي.

ورغم أن الرؤساء الأميركيين الذين عاصروا بوتين، حاولوا تصحيح مسار العلاقات مع روسيا، ولكن بوتين أبى إلا أن يكون نداً لغريمه السابق، الولايات المتحدة، ومع نهاية حكم جورج بوش الابن، قامت روسيا بغزو جورجيا، واحتلال أراضيها، وكذلك فعلت مع أوكرانيا في السنين الأخيرة من حكم باراك أوباما.

والأدهى والأمرّ، أن هناك تهماً توجه إلى روسيا بقيامها بهجمات إلكترونية ضد الولايات المتحدة، بغية التأثير في الانتخابات الرئاسية الأميركية. ويتخوف الأوروبيون من احتمالات عمل نفس الشيء في انتخاباتهم من قبل موسكو.

وفي محاولة لتفسير التغيرات الاستراتيجية الكبرى، وعودة روسيا إلى الساحة الدولية بشكل جلي، قام مركز الإمارات للسياسات، بعقد ندوة حول روسيا ومنطقة الشرق الأوسط يوم الأربعاء 8 مارس. وتحدث في الندوة كل من السفير الروسي السابق فنيمين بوبوف، والباحث الاستراتيجي اللبناني الدكتور وسيم قلعجية.

تحدث في البداية السفير بوبوف عن رغبة روسيا في الحفاظ على علاقات ودية مع جميع بلدان العالم، وضرب مثلاً بتركيا، والتي أسقطت طائرة عسكرية روسية، كما تم اغتيال السفير الروسي هناك، ويقف كلا البلدين في الطرف النقيض في الصراع السوري، ورغم كل ذلك، حاولت موسكو تجاوز الأزمة، وبدء صفحة جديدة معها.

وفي القضية السورية، قال السفير إن التدخل في سوريا، جاء بناء على طلب من الحكومة السورية، ولكن الحالة الملحة كانت بسبب أن دمشق كادت أن تسقط، وتتخوف موسكو من أن المتطرفين يسيطرون على سوريا، وقال إن انتصار المتطرفين في سوريا، قد ينعكس سلباً على روسيا، بسبب الجالية الروسية المسلمة في الاتحاد الروسي.

أما الدكتور قلعجية، فقد تحدث بإسهاب عن التوجه الجديد لروسيا في عصر بوتين، ويرى أن التوجه الجديد واقعياً في منطلق وليس عقائدياً، وثانياً، استعادة روسيا لمكانتها الدولية، وثالثاً منع أي دولة من التفرد بالهيمنة على النظام الدولي.

وأخيراً، العمل على منع تهميش روسيا في القضايا الدولية والندية في التعامل مع روسيا.

والمهم في موضوع، أن روسيا بدأت تعيد صياغة هويتها الاستراتيجية، على أنها قوة أوراسية، وأن مجالها الحيوي يمتد من أوروبا إلى آسيا، ويرى قلعجية، في كتابه حول الموضوع، أن بوتين يحقق هذه الرؤية الاستراتيجية، من خلال أبعاد ثلاثة:

الأول، إقامة تحالف أوراسي يتكون من دول الاتحاد السوفييتي في مواجهة الاتحاد الأوروبي.

والبعد الثاني، يتمثل في كسر الطوق الذي يحاول الغرب ضربه حول روسيا، حتى إذا أدى إلى العمل العسكري، كما في جورجيا أوكرانيا.

وثالثاً، مواجهة الغرب خارج أوراسيا، مثل الشرق الأقصى والأوسط لزعزعة الهيمنة الغربية على النظام الدولي، وبلا شك، إذا صح هذا التوصيف، فإنه يخلق للدول العربية هامش مناورة جيدة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.