ليس من باب الصدفة أن تتناغم تأملات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في السعادة والإيجابية مع الأفكار التي طرحها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في الكلمة الرئيسة، التي ألقاها في ختام فعاليات «مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل»، الذي أقيم في مركز أبوظبي للمعارض الأسبوع الماضي.

وهي الكلمة التي قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إنها لامست قلوب الكثيرين، ووضعت نهجاً لمستقبل الشباب، ومنهجاً لتفوقهم، والتزاماً بخلق منظومة قيم وطنية لهم، وأمر سموه بتحويلها إلى برنامج عمل حكومي في كل القطاعات المعنية بالشباب، ووعد بترسيخ قيم زايد في نفوس الأجيال.

هذا التناغم في الفكر والعمل بين قادة دولة الإمارات العربية المتحدة هو سر نجاح هذه الدولة، منذ قيامها وحتى اليوم.

ولعل هذا ما أشار له صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه الأخير «تأملات في السعادة والإيجابية» عندما تحدث عن التفاؤل بالمستقبل، وتوقع الأفضل، والثقة بالقدرات، والإيمان بالإمكانات، وتساءل: من يصدق أن رجلين في خيمة في الصحراء عام 1968 كان لديهما هدف بناء دولة متقدمة عالمية ومتطورة؟

من يتخيل أن رجلين كان لديهما التفاؤل والثقة الكافيان للنجاح في تحويل إمارات متصالحة، يسودها النظام القبلي، ويتنازعها العوز وقلة العلم، إلى دولة مؤسسات وأنظمة وسلطات وقوات نظامية وتعليم نظامي وجامعات؟ وكل ذلك فقط خلال سنوات، بل أكثر من ذلك، لم يكن طموحهما بناء دولة المؤسسات فحسب، بل كانا يريدان مدنهما أن تكون كمدن العالم الكبيرة، التي زارها مرات قليلة.

فكرة منافسة المدن والدول المتقدمة والتفوق عليها، التي شغلت الآباء المؤسسين هي نفسها التي تشغل قادة دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، بعد 50 عاماً من ذلك اللقاء التاريخي، الذي جمع المغفور لهما بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما.

وقد ظهرت فكرة المنافسة هذه في كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في أكثر من مكان، كما ظهرت في خطاب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عندما توجه إلى الشباب قائلاً: «نريد أن ننافس بكم دول العالم، فطموحنا أن ننافس دول العالم المتقدمة، التي حققت نجاحات في التنمية البشرية والتعليم والاقتصاد، مثل فنلندا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وسنغافورة».

ودعا سموه الشباب إلى قراءة تاريخ هذه الدول، وكيفية نهوضها من أوضاعها حتى أصبحت نموذجاً في التقدم والتطور.

هذا التناغم في الفكر والنظر والرؤية، منذ عهد الآباء المؤسسين إلى اليوم، هو الذي قامت عليه دولة الإمارات، وهو الذي قادها من نجاح إلى نجاح، وهو الذي سيحافظ على كيانها واستمرار مسيرتها، كما أن اعتماد قادة الدولة على إنسانها، وليس ثروتها، سبب آخر من أسباب قوتها، فرهان قادتها الحقيقي على شبابها، لأنهم يؤمنون بأن التقدم في هذه الدولة لن يتم إلا بهم، فهم أمل هذه البلاد ومستقبلها، وهم السلاح الحقيقي، وليس الثلاثة ملايين برميل نفط يومياً، كما أوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، موجهاً خطابه للشباب.

ولهذا فنحن لا نعتقد أن ثمة دولة اهتمت بالشباب مثلما تهتم دولة الإمارات بشبابها، فقد استحدثت لهم وزارة تهتم بشؤونهم، ووضعت عليها وزيرة شابة في مثل سنهم، وكونت منهم مجالس، تسهم في دعم جهود الدولة في استشراف وصناعة المستقبل، وتخدم أهداف الحكومة بتعزيز المشاركة الفاعلة للشباب في تحقيق التنمية المستدامة، والارتقاء بمستوى المعيشة ورفاهية المجتمع، وأقامت لهم الملتقيات التي تسلط الضوء على دورهم في بناء المستقبل، والتي كان آخرها «مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل»، الذي ركز على دور الشباب في تشكيل اقتصاد الدولة، وتحديداً مرحلة ما بعد النفط.

وناقش عدداً من القضايا المهمة التي تخدم بناء المستقبل، وفرص الشباب وتوجهاتهم، وجمع نحو 3000 طالب وطالبة من الدارسين في مؤسسات التعليم العالي في الدولة، أتاح لهم فرصة الالتقاء مع عدد من المتحدثين المحليين والعالميين المتخصصين في استشراف المستقبل، ونظم سلسلة من ورش العمل التدريبية، التي تقدم للمشاركين حلولاً وطرقاً متنوعة للتصدي للتحديات، التي تواجه تطبيق أفكارهم، ومشروعاتهم الحالية والمستقبلية.

هل نستطيع القول إن الكرة أصبحت الآن في ملعب الشباب؟ لا شك في ذلك، فبعد أن أعطت الدولة شبابها الثقة الكاملة، واهتمت بهم، ووفرت لهم كل هذه الفرص، وعملت على تعليمهم، وسهرت على تأمين مستقبلهم، وراهنت عليهم بالمسؤولية، وحمل الأمانة، واعتبرتهم جيلاً مهماً، وعهدت إليهم بتسلم الراية.

كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بعد هذا كله لم يعد للشباب عذر في تحمل المسؤولية كاملة، وإعداد أنفسهم للمستقبل، الذي ينتظر قادتهم وأهلهم أن يكون أكثر إشراقاً بأبنائه المخلصين الجادين الحريصين على الترقي في مراتب العلم، المحافظين على تقاليدنا العريقة وهويتنا الثقافية، كما قال سموه.

«الشباب الذين بنى أجدادهم إحدى أعظم الحضارات قادرون بكل تأكيد على إعادة البناء، وتغيير الواقع، بل منافسة العالم». هكذا يلخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رأي سموه في الشباب، وهو رأي يحتم على الشباب أن يكونوا أهلاً لهذه المهمة.