الخليج العربي من أكثر المناطق التي ينصب عليها اهتمام العالم، والسبب يعود لاحتواء المنطقة على مصادر الطاقة، والتي تشكل أكثر من ربع أجمالي الإنتاج العالمي من النفط.

ويرى البعض، مثل كينث بولاك، الباحث بمعهد بروكنز، أن الاقتصاد العالمي يعتمد على تدفق النفط بشكل سلس، وبأسعار معقولة، وأن النفط من دول الخليج يشكل مصدراً مهماً لهذه الثروة.

وإذا ما كانت هناك عوائق لتصدير النفط من هذه المنطقة، فإن أسعار النفط سترتفع بشكل سيصيب العالم بكارثة اقتصادية، شبيهة بالكساد الأعظم، أو أسوأ من ذلك.

بالنسبة لواشنطن، فإن استقرار أسعار الطاقة في العالم يشكل هدفاً استراتيجياً، حتى لو أنها اكتفت من الطاقة المنتجة داخل الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة ترى أنها المهيمن على النظام الدولي، أي الراعية للنظام العالمي، وعليها يقع استقرار الاقتصاد العالمي، كما أن للولايات المتحدة مصالح مباشرة في استقرار أسعار النفط، لأن شركاءها التجاريين معتمدون على استيراد النفط، وسيتأثرون سلباً إذا ما اهتزت أسواق الطاقة العالمية.

وكما هو معروف، فإن أسواق النفط من أكثر السلع اندماجاً وتأثراً بتغيرات الأسعار، وفي حالة حدوث الاكتفاء الذاتي من النفط، فإن الدول تتأثر بتقلب الأسعار العالمية، وبالتالي، ترتفع أسعار الطاقة في الدول التي حققت الاكتفاء الذاتي.

فإذا ارتفعت أسعار النفط في الأسواق العالمية، فإن الولايات المتحدة، والتي حققت إنتاجاً يصل إلى حد الاكتفاء، بسبب النفط الصخري، ليست بمنأى عن ارتفاع أسعار النفط بالنسبة للمستهلكين المحليين، فأي ارتفاع لأسعار النفط في أي بقعة من العالم، يتبعه ارتدادات في أسواق النفط العالمية.

وما يزيد من تعقيد الاقتصاد السياسي لمنطقة الخليج العربي، العلائق المالية المرتبطة بالنفط. فالموارد المالية الهائلة التي جلبتها صادرات النفط، جعلها موقع اهتمام كبير للعالم، كأسواق عميقة للمنتجات الصناعية وغيرها من المنتجات.

كما أن العملة العالمية، الدولار، ارتبطت ارتباطاً وثقياً بالنفط. فمنذ أن تخلت الولايات المتحدة عن غطاء الذهب للدولار في عام 1971، اعتمدت على النفط لتغطية الدولار، كما أن ارتباط العملات الخليجية بالدولار، عزز من هيمنة الدولار على التجارة العالمية.

ولكل هذه الأسباب مجتمعة، أصبحت المنطقة محط اهتمام العالم، وبالنسبة للولايات المتحدة، والتي انكب حرصها على منطقة الخليج العربي، وخاصة بعد الحظر النفطي في عام 1973، بسبب نظرتها أن منطقة الخليج العربي مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمصالحها الاستراتيجية، وأصبح الجسم المائي المعروف بالخليج العربي، يضاهي أهمية بالنسبة لواشنطن بالبحيرات العظمى شمالي الولايات المتحدة.

ولكن الدول الخليجية كانت دائماً فاعلة في وضع استراتيجية لتحقيق أمنها، وإن لم تسيطر على كل خيوط اللعبة الدولية المتعلقة بمنطقة الخليج العربي. وبعد أن خرجت دول الخليج من وطأة الحكم البريطاني، والذي دام قرناً ونصفاً (1820-1971)، شرعت في ترتيب المنطقة وفقاً لمصالحها الإقليمية، وتشكل اتحاد الإمارات العربية، لتحصين المنطقة من التحديات، والتي كانت تمور بالإقليم،.

وقد واجهت أول امتحان باحتلال قوات الشاه الإيرانية جزر الإمارات العربية، طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى، قبل يومين من استقلال الإمارات وإعلان الاتحاد.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت استراتيجيات دول المنطقة تتفاعل مع إدراك المخاطر التي تحيط بها، فالثورة الإيرانية، والتي أطاحت بحكم الشاه، وأزاحت عن كاهل المنطقة الهيمنة الشاهنشاهية، تحولت إلى مصدر قلق للمنطقة، والنظام الثوري الجديد في طهران، عقد العزم على تصدير الثورة لأسباب أيدلوجية وجيوسياسية، والتي أدت إلى التصادم مع العراق.

وقد زجت هذه الحرب المنطقة في المجهول، ولكن قادة المنطقة رأوا تحصين المنطقة عبر التلاحم وتأسيس مجلس التعاون الخليجي في أبوظبي في عام 1981.

ولم تضع الحرب الإيرانية-العراقية أوزارها في عام 1988، حتى دخلت المنطقة في حرب أخرى لا هوادة فيها.

وكان لتخوف رئيس العراق، صدام حسين، من الوضع الداخلي بعد الحرب، وتوهم مؤامرة خارجية تحاك ضد نظامه، الأثر الأكبر في غزوه للكويت، ولكنه قتل كيف فكر، ولم تكن الكويت أول الضحايا لهذا الغزو، بل النظام العربي الإقليمي، ولا سيما مفهوم الأمن العربي الجماعي.

تعززت فكرة النظام الخليجي، على أنه الضامن للأمن الإقليمي، وبسبب الدور الأميركي الكبير في تحرير الكويت، فقد تعزز موقعها في الخليج العربي منذ 1990، ولردح من الزمن، ولكن رياح المنطقة العاتية هبت مرة أخرى، في أحداث سبتمبر الإرهابية، وقررت الولايات المتحدة أن تخوض في حرب وتغزو العراق للإطاحة بنظام صدام، وكان لها ذلك، إلا أن المنطقة عانت، وما زالت تعاني، من آثار تلك الحرب.

وكان للفشل العظيم للولايات المتحدة في العراق، أن زعزعت الثقة بالولايات المتحدة، والتي استنفدت كثيراً من الرأسمال السياسي، وتبعها شتاء السخط في العالم العربي، وعجز إدارة أوباما عن إدارة الأزمة.

حيث بادرت دول الخليج بلعب دور قيادي في المنطقة العربية، بسبب الفراغ الاستراتيجي الذي عانى منه الإقليم، وأصبحت دول الخليج تخرج من إطارها الإقليمي إلى فضاء العالم العربي الأوسع، وتتجه شرقاً إلى الفضاء الآسيوي الرحب، وهي مرحلة تتكشف أمامنا كل يوم.