شاهدت قبل أيام مقابلة تلفزيونية لأحد رجال الدين ظهر خلالها وهو يلبس العمامة يزعم بأنها مماثلة لـ «عمامة رسول الله» وبثياب مأخوذة عن سيرته ﷺ، وكان يتحاور مع ضيف آخر ومقدم البرنامج، وأثناء اللقاء استفز الضيف رجل الدين بتصرفاته وتعبيراته فاشتد الكلام بينهم حتى وصل الأمر لأن يخلع رجل الدين هذا عمامته ويضعها على الطاولة ليظهر من بعدها شخصيته الحقيقية التي تعبر عن نضح فكره وألفاظه رغم صفاقة أخلاقه.

هذا المشهد يعبر كثيراً عن الفكر السائد بين الناس بأن الاحترام والخلق الحسن والورع في التقوى لن يكون إلا عند من لبس العمامة أو ما يماثلها من علامات تدل على التدين، إلا أن الظاهر أن بعض هؤلاء ليسوا إلا تجاراً يتاجرون بما ترمز إليه العمامة لكي يكسبوا ود الناس واحترامهم وخلق مكانة اجتماعية لهم وأخرى إعلامية مرموقة في المجتمع ليتسلقوا عليها للوصول إلى مرادهم الدنيوي وإن كانوا يقولون إن هدفهم الأسمى هو الظفر بالآخرة ونعيمها.

هذا المشهد لا يقل سوءاً عن ذاك التاجر الذي يروي للناس أنه شاهد رؤيا قابل خلالها رسول الله ﷺ وحاوره بل أخذ منه فتاوى ليعلم الناس بها فتمثلت مهمته بأن يكون «مرسال الخير»، فماذا كانت الرؤيا وماذا كانت الفتوى؟ الفتوى مفادها أن رسول الله طالبه بأن يفتح مقراً للشباب من أجل الاجتماع فيه.

ومن بين الروايات الأخرى التي تلاعب بها هؤلاء التجار بديننا الحنيف فقد أوضح أحد رجال الدين أن من أهم مميزاته أنه لا يتاجر بالدماء، وربما هو صادق في ذلك؛ فتجار الدماء ومن يتصدرون فتاوى القتل والدمار والترهيب والجهاد الباطل هم كثر وأصبحوا مكشوفين ومعروفين.

ومازالوا يتصدرون الساحات الإعلامية والمنابر الدينية ليدلوا بدلائهم، وللأمانة ربما هذا الرجل ليس منهم، إنما هو من الفئة الأخرى، فهو لا يتاجر بالدماء إنما يتاجر بالأحلام وتفسيراتها ويحكم على الناس بمصائر من علم الغيب مبرراً دجله بمقولة في آخر التفسير «والله أعلم».

وهناك أيضاً تجار من نوع آخر «تجار الأعراض»، فهؤلاء يظهرون أمام الناس على أنهم «رجال دين» وهم في الحقيقة «دجالو دين»، فهؤلاء يلمسون جسد هذه ويفعلون الرذيلة بتلك، ويخدشون حياء الكثيرات بعد أن جاؤوهم ليرقوهم ويخرجوا السحر من أجسادهم بعلاج القرآن، لكن الطريقة والسبيل لخلاصهم بالنسبة لهؤلاء أن تتمدد المرأة على فراشها ويتلمسوا مفاتنها، ليُخرج الجن من بين أصابعها.

وقد كشف هذا النفرَ بعضُ القضايا والقصص المتداولة من جانب ضحايا دمرت حياتهم من جراء مثل هذه الأفعال، وهناك الكثيرات ممن يكتمن هذا السر بداخلهن خوفاً من الفضيحة أو العقاب الرباني كما أوهمهن هذا المتاجر.

في هذه الأيام نجد المتاجرة بالدين في الكثير من الصور والأشكال والأنواع، وقد أصبحت حيلة فعالة لتيسير حوائج الدنيا حتى البسيطة منها؛ يخبرني أحدهم أنه اعتاد الذهاب للتجار الكبار «تجار البضائع» ليشتري منهم بعض الأجهزة الكهربائية، ويقول لهم إنها من أجل بناء مسجد أو كمالياته «المكيفات والأثاث والسجاد» ليحصل على «خصم محترم» كما يصف عمليته الاحتيالية، وفي الحقيقة هو يشتريها من أجل مشاريعه التي ينشئها، ولأنه وجد أن المكاسب كثيرة، فقرر أن يكون «مقاولاً باسم الدين».

هؤلاء التجار يتخذون شكل لباس وتصرفات وتعاملات رسولنا ﷺ وهم في داخلهم أبعد بكثير عنه، هؤلاء التجار يكوون جبينهم ليصبح داكناً ليقال عنهم «سيماهم في وجوههم من أثر السجود»، أمثال هؤلاء يحترمون العمامة أكثر مما يحترمون شرع الله وكتابه ومنهج رسوله، هم يقدرون الشكل لا المضمون، ونحن في مجتمعاتنا العربية أصبح البعض منا زبائن جاهلين يُتاجر بدمائهم وبأعراضهم وبمصائرهم وبضمائرهم وبأضغاث أحلامهم، يستغلهم المتاجرون بالدين ليسوقوا بضاعتهم الرخيصة ويصعدوا على ظهورهم ليحققوا أهدافهم.

بعض هؤلاء المتاجرين بالدين من يركض من أجل المال أو الشهرة، ومنهم من يسعى للوصول إلى المنصب والسلطة، ونسوا حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يؤتى بالرجل يوم القيامة فليقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدورُ الحمارُ في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تك تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».

إلى متى ستبقى هذه هي الحالة السائدة؟ ومتى سنفيق من سباتنا ونعرف ونتعرف نواياهم قبل أن نتخذ من بضاعتهم قناعة لأفكارنا، ومن أقوالهم منهجاً لحياتنا، ومن رؤياهم مبرراً لجرائمنا، ومن أكاذيبهم راحة لضمائرنا، ومن دجلهم خلاصاً لفشلنا، إلى متى؟!

أنتم من تحددون وليس أنا، فعندما تنظرون إلى كلماتي بعين الناقد ستكتشفون أن هؤلاء المتاجرين بالدين لا يستحقون أن تتعاملوا معهم على أنهم مبجلون ولا مقدسون، إنما هم بشر أمثالنا خطاؤون.

لا أقصد رجال الدين بشكل مطلق، إنما أقصد التجار منهم، والذين لم يسيئوا فقط إلى أنفسهم وإنما إلى رجال الدين بشكل عام، الأمر الذي يستدعي وقفة جادة لكشفهم.