عندما سئل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في جلسة «استئناف الحضارة»، التي عقدها سموه، أثناء الدورة الخامسة للقمة العالمية للحكومات، منتصف شهر فبراير الماضي، عن الكيفية التي يحوّل بها اليوم من 24 ساعة إلى 84 ساعة، وبعد أن استعرض السائل الأنشطة الكثيرة، التي يقوم بها سموه في اليوم الواحد، تبسم سموه وقال مازحاً إنه لو كان لدينا 84 ساعة لبنينا 4 مدن مثل دبي، ودولتين مثل دولة الإمارات.
واستأنف سموه حديثه قائلاً « إن تنظيم الوقت شيء مهم، لأن الوقت يذهب ولا يعود مثل العمر، وشبهه بالماء الذي إذا لم تمسكه طار، لذلك يجب علينا أن نجد ونجتهد ونرتب أوقاتنا وننظمها». وذكر سموه أنه مُصرّ على أن يتعلم كل يوم شيئاً جديداً، وختم قائلاً: «إن النجاح 50 % والخمسون الثانية فشل منافسيك وعدوك».
تذكرت هذا الجزء من حديث سموه في جلسة «استئناف الحضارة»، وأنا أتابع أخبار يوم الجمعة الماضي، حيث قام سموه بثلاثة أنشطة مختلفة، كل نشاط منها يحتاج إلى يوم عمل مستقل، فقد استقبل سموه وزير الخارجية الفلبيني، واستعرض معه عدداً من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وزار سموه معرض دبي العالمي للقوارب، وقام بجولة واسعة فيه، وبعد ذلك زار سموه مهرجان «دبي كانفس» للرسم ثلاثي الأبعاد، الذي يقام في «سيتي ووك» دبي، واطلع على مستجدات الدورة الثالثة للمعرض، الذي ينظمه «براند دبي» الذراع الإبداعية للمكتب الإعلامي لحكومة دبي.
ثلاثة أنشطة لو كانت لدى أيّ مسؤول عادي لوزعها على أيام العمل الرسمية الخمسة، وذهب لقضاء يومي الجمعة والسبت مع أسرته، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، قام بها كلها في يوم واحد، هو يوم العطلة الأسبوعية للدوائر الحكومية، الذي يقضيه كل موظف ومسؤول عادة مع أسرته وأبنائه، ليؤكد سموه أنه قائد استثنائي، وليضرب سموه المثل على أننا بلد وشعب يحبان العمل، من أكبر مسؤول إلى أصغر موظف فيه.

نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة، حبانا الله بوطن جميل، كما حبانا بقيادة اختارت لنفسها وشعبها طريق العمل، ومواجهة التحديات، فقررت أن تسبق العالم، ليس بخطوة أو اثنتين أو ثلاث، وإنما بعشر خطوات، كي تكون مدنها مدن المستقبل، ويكون شعبها أسعد شعب، مثلما فعل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عندما وجّه بأن نطبق اليوم ما ستطبقه مدن العالم بعد عشر سنوات، من خلال مبادرة «X10»، التي أطلقها سموه في ختام القمة العالمية الخامسة للحكومات.
وهذا يتطلب من الجميع أن يواصلوا الليل بالنهار، وألا يكتفوا بساعات العمل الرسمية، تماماً كما يفعل سموه، لأن الوقت الذي يذهب لا يعود، ولأن السباق مع الزمن هو سمة العصر الذي نعيشه، إذا أردنا أن يكون لنا مكان فيه.
عندما اجتمع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2013 مع 1000 مسؤول حكومي من الصف الأول والثاني والثالث، وأعلن عن رؤية سموه لحكومة المستقبل، أوضح أنها حكومة لا تنام، تعمل 24 ساعة في اليوم، 365 يوماً في السنة، مضيافة كالفنادق، سريعة في معاملاتها، قوية في إجراءاتها.
حكومة مبدعة، تستجيب بسرعة للمتغيرات، وتبتكر حلولاً لكل التحديات، تسهل حياة الناس، وتحقق لهم السعادة. وبدأ سموه العمل فوراً على تحقيق رؤيته لحكومة المستقبل هذه، فأطلق مشروع «الحكومة الذكية»، بهدف تقديم كل الخدمات الحكومية عبر الهواتف الذكية، وقال حينها: «نريد أن نصل للناس لا أن يصلوا إلينا، سنصلهم عبر هواتفهم الذكية». وظن الناس يومها أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يحلم، لكن سموه أزال تلك المخاوف بقوله: «عندما تكون للقائد رؤية عظيمة وفكرة عميقة عما يريده، وإصرار وعزيمة، تستجيب له الدنيا، وتطاوعه الظروف، ويصطف خلفه الألوف».
يقول المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إنه في أحد الأيام، عندما كان حاكماً للعين في المنطقة الشرقية، كان يتمشى في طرقات العين، وكان معه في هذه الجولة أحد الأصدقاء، وهو ضابط إنجليزي كبير، فشعر وهو يرى الناس والبيوت والجبال والوديان، أن حضارة هذا البلد تكاد تصرخ فيه، وتدفعه دفعاً إلى بناء دولة عصرية حديثة، فأخذ يشير وكأنه في حلم روحي عذب: «هنا سيقوم مركز زراعي ضخم، وهنا منطقة صناعية، وهنا محطة كبيرة لتوليد الكهرباء، وهناك في أبوظبي سننشئ ميناء في هذه المنطقة بالتحديد، أما المطار فسيكون في تلك النقطة، وهنا جامعة، وهنا المستشفى، وهنا قوة الدفاع، وهكذا.. وهكذا»، فضحك صاحبه، وقال له: «دعك من أحلام اليقظة».
ومرت الأيام، ونسي الحديث كله، حتى جاء في يوم الصديق نفسه، بعد أكثر من عشرين سنة ليزوره بعد أن اعتزل الخدمة في بلاده، وكان مندهشاً للقريتين اللتين رآهما في ذلك الوقت كيف أصبحتا الآن، وقال له: «هل تذكر ذلك الحديث الغريب؟ إن كل شيء عينته بُنِيَ في المكان ذاته، الذي حددته؛ المصانع والكهرباء والمستشفى، حتى الدفاع. كل هذا تحقق، ولم تكن أحلام يقظة».
الأحلام الكبيرة لا يحققها إلا القادة العظام، الذين يعملون. وصدق الشاعر إذ يقول:
شمس تغيب وفجر يشرق يومه إلا محمد ما تنام نجومه