يتجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى زيادة ميزانية وزارة الدفاع الأميركية بأكثر من خمسين مليار دولار سنوياً.. وفي معرض الترويج لهذا القرار، الفارق مالياً، يزعم دونالد أن إدارة الديمقراطيين السابقة بقيادة باراك أوباما أهملت الجيش وعرضته للضعف بسبب تقليص موارده وعدم الاهتمام بتحديثه.
لاندري من أين جاء ترامب بهذه الفرية، فأوباما تعامل مع القضية بعكس ما يدعيه على طول الخط.. ومن ذلك أنه استخدم حق الفيتو الرئاسي ضد المخصصات التي أقرها الكونغرس لوزارة الدفاع في الميزانية الحكومية لعام 2016 لأنها «.. تتعارض مع خطة إدارته في إبعاد ميزانية الوزارة عن التقليصات المالية، لكونها تتعلق بالأمن الوطني للبلاد..».
الأهم من ذلك، أن الجيش الأميركي لايعاني أصلا من الفاقة أو شح الموارد.. فالولايات المتحدة تنفق عليه سنوياً نحو 700 مليار دولار، وهذا المبلغ يفوق ما تخصصه للدفاع عشر من أقوى دول العالم مجتمعة.
كان أوباما قد علل رفع موازنة الدفاع ب «..ضرورة أن يكون الجيش ممولا بشكل لائق لضمان الأمن القومي الأميركي..».. وبدوره يقول ترامب الآن إن هدف الزيادة هو «.. إعادة بناء الجيش، وتوضيح تصميمنا على جعل ملف الأمن ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية أولوية قصوى لعهدنا..».
من يقف وراء هذا التوجه وما يتصل به من تكييفات ومعالجات.. هل هو المجمع الصناعي العسكري ؛ الذي حذر الرئيس الأسبق أيزنهاور من خطورة سطوته على صنع القرار السياسي قبل ستين عاماً ؟.. بغض النظر عن اجابة هذا السؤال، فإن التوسع الأميركي في تنمية القوة الصلبة والتلويح باستخدامها،لايبشر بخير بالنسبة للمحيط الدولي.
تتكثف المخاوف من هكذا سياسة أو منهجية،في ضوء ملازمتها لخطاب نظري موشي بالتربص، حتى لانقول العداء، ضد قطاعات بعينها، كالمهاجرين واللاجئين والملونين والعرب والمسلمين، على الصعيدين الداخلي والخارجي.
الملاحظ أن جانباً من هذه النتائج أطل بالفعل في فترة قياسية. ففي الداخل، أظهرت قطاعات كبيرة من المجتمع الأميركي حساسية واضحة للتحولات السلبية المنتظرة، واستنكرتها جهرة وتظاهرت احتجاجاً عليها.ولم تقل ردود الأفعال الخارجية عن ذلك.. حتى أن بعضاً من أكثر حلفاء واشنطن حميمية وشراكة في عالم الغرب، عبروا عن النفور من تبجح سيد البيت الأبيض الجديد وميوله الاستقوائية والاستعلائية تجاههم.
يعتقد ترامب، الوافد إلى السياسة من قطاع المال والأعمال والمقاولات،أنه بصدد تجديد الروح الأميركية والشعور بالفخر الوطني.. وهو يستعين بهذا الخصوص بتعبيرات ومفاهيم بالغة الشعبوية والابتذال؛ وقريبة جدا من اللغة الشوفينية، التي استخدمتها بعض القوى والنظم الأوروبية في حقبة مابين الحربين العالميتين.
الأرجح أن اقتران هذه اللغة بفائض القوة الهائل ؛ الذي يستند إليه الرجل، ينذر بأخطار جسيمة على المستويين الداخلي والدولي.
تقديرنا أن الولايات المتحدة لاتعاني نقصاناً في مكونات القوة المسلحة وأسبابها..ما ينقصها حقاً، وفي هذه المرحلة بالذات، هو استعادة قوة المنطق والعقل والرشد السياسي والحقوقي، المعززة بالقيم الأساسية التي نشأ عليها المجتمع الأميركي، ومراعاة طبيعة هذه النشأة ومقوماتها الاجتماعية والفكرية.
أين الاستقامة والعقلانية، مثلا، في حديث ترامب عن خصم مبلغ الزيادة في مخصصات الدفاع من موازنات النشاط الدبلوماسي وحماية البيئة والخفض، الذي وصف بالكبير جداً، من المساعدات الخارجية ؟.. لايمكن فهم هذه المعادلة إلا في إطار السعي الى تقديم وسيلة حماية الأمن القومي الأخيرة، على مختلف الأدوات والآليات الأخرى.. وهذه لعمرك مسألة عوراء وليست من الحكمة والتقاليد التي يوصي بها فقه العلاقات الدولية في شيء.