مع أن أخبار المعارك التي تخوضها القوات العراقية ضد تنظيم داعش في الموصل وفي بعض مدن المنطقة الغربية، تطغى على أخبار الخلافات والصراعات الدائرة في الساحة السياسية بالخفاء وفي العلن تهيؤاً للانتخابات المحلية والنيابية المقبلة، إلا أنها لا تستطيع أن تقلل من خطورتها، لأنها تتسع وتتعمق بين الكتل السياسية .

وفي داخل تلك الكتل جميعاً من غير استثناء، وهو ما يثير القلق من تحولها إلى صراعات مسلحة، خاصة أن معظم هذه الكتل تمتلك مليشيات خاصة بها.التناقضات تطفو على السطح، ولم يعد من الممكن إخفاؤها أو الالتفاف حولها، وهي لم تعد محصورة في القاعات التي تتبارز داخلها الآراء المختلفة، فقد انتقلت إلى الشارع، وحدث إثر ذلك صدامات لا يمكن تجاهل خطورتها في أكثر من محافظة.

لأنها مرشحة لتصبح أكثر حدة كلما اقتربنا من موعد الانتخابات النيابية. هذه الصراعات ليست بالضرورة لصالح الشعب العراقي، فهي ليست تنافساً لتقديم الأفضل للعراق، قدر ما هي صراعات من أجل بقاء بعض القيادات في الساحة السياسية للتمتع بالمزيد من الامتيازات التي أدمنت الحصول عليها من جهة، وضمان الحماية من المساءلات القضائية حول الكثير جداً من القضايا على مختلف الصعد، إذا صعدت جهات أخرى إلى مواقع صناعة القرارات من جهة أخرى.

مآلات هذه الصراعات تعتمد إلى حد بعيد على مدى قناعة السياسيين، أحزاباً وأفراداً، بالالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية والاحتكام للدستور، وهو أمر مشكوك به. فبعد تجربة أربعة عشر عاماً من سيطرة الأحزاب الدينية على مقاليد الحكم في العراق تعززت القناعات لدى قطاعات واسعة من الشعب بأن هذه الأحزاب ليس لديها برامج حقيقية من أجل البناء.

فهناك على الورق ما تحرص قياداتها على جعله جذاباً للناخب، إلا أن تنفيذها ليس سهلاً حتى لو كانت هذه القيادات جادة فعلاً في ذلك. فأدوات التنفيذ وهي أجهزة الدولة غير مؤهلة لذلك، لأن القيادات على مستوى الوزراء والوكلاء والمديرين العامين والمديرين الآخرين لم يشغلوا هذه المناصب على أسس الكفاءة الوظيفية والسجل النزيه، بل وفق معايير أخرى أبرزها الولاء لتيار سياسي نشأ على أسس طائفية.

من المرجح أن تتجه الصراعات نحو العنف، خاصة أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد عازمة على إرسال قوات للقتال ضد داعش في سوريا والعراق وفق استراتيجية العودة القوية إلى العراق بشكل خاص التي سيكون لها تداعيات سياسية على وضع المنطقة وتوازناتها، فهذه الإدارة عازمة على تحجيم الدور الإيراني في المنطقة.

ومن المتوقع في ضوء ذلك أن تجد حكومة العبادي نفسها في مواجهة مواقف محرجة في علاقاتها الإقليمية، وملزمة باتخاذ قرارات هامة على مستوى العلاقات في الداخل.

وتأتي زيارة وزير الخارجية السعودي المفاجئة لبغداد أخيراً بعد انقطاع دام سبعاً وعشرين سنة في سياق إعادة رسم التوازنات في المنطقة وترميم الواقع العربي المتصدع منذ قام العراق بغزو الكويت وازداد تصدعاً بعد الغزو الأميركي للعراق.

السؤال المطروح هو هل تستطيع الحكومة القائمة أن تردع جميع الأطراف من الانزلاق نحو الصراع المسلح وهي بالضعف الذي لا يختلف اثنان في الإشارة إليه، خاصة أن معظم أجهزة الدولة، الأمنية بشكل خاص، التي لها الدور الحاسم في التصدي للصراعات إن اندلعت، ليست حيادية.

الانتخابات النيابية القادمة ستجرى في أجواء سياسية مختلفة عن أجواء انتخابات؛ فالحكومة منذ قيام العبادي بترؤسها بدت مختلفة عن سابقتها، فهو في مقارباته يسعى نحو قيام دولة لا تعزيز سلطة كما كان الحال مع سلفه. إلا أنه لم يقم بما يكفي للإيفاء بوعوده للتغيير، وكان بوسعه أن يكون بوضع أفضل لو تحرك بمعزل عن كتلته الانتخابية.

وهو على الرغم من نجاحاته في التصدي لتنظيم داعش وجهوده في دعم القوات المسلحة وتحقيق انتصارات هامة على طريق طرد التنظيم من العراق، إلا أنه لم يتمكن من المضي قدماً في الإصلاحات التي وعد بها، ولم ينجح في ردم الثغرات الأمنية وفي حصر السلاح بأجهزة الدولة وبتفعيل ملفات الفساد. العبادي لم يعرب حتى الآن عن رغبته بتأسيس كتلة سياسية خاصة بزعامته، فهل سيدخل الانتخابات القادمة بنفس غطائه الحزبي «الدعوة» وتحت راية كتلته «دولة القانون» أم لا؟

حين جاء عام 2014 حظي بدعم كبير على المستويات المحلية والإقليمية والدولية على الرغم من القاعدة الهشة التي ساعدته في الحصول على موافقة المجلس النيابي على تشكيل الوزارة، حين وقفت إلى جانبه كتلة الأحرار الممثلة للتيار الصدري وكتلة المواطن وجزء من كتلة دولة القانون بحسابات تستند إلى الرغبة بإبعاد المالكي عن كرسي الحكم، لسياسته في الاستئثار وتهميش الآخرين.

أما الآن فقد يكون الوضع مختلفاً، فمن المشكوك به أن يحظى بدعم التيار الصدري بعد أن اصطدمت أجهزة الدولة الأمنية التي يترأسها بجمهور هذا التيار في أكثر من مناسبة، كما أن له خلافات مع كتلة المواطن التي يتزعمها عمار الحكيم التي ترفض العمل بمبدأ «وزارة التكنوقراط» التي جاء بها بدعم من التيار الصدري.