ملهاة حل الدولتين!

ثمة كلمات وجمل تبقى منقوشة في التاريخ، تدخل قائلها أو كاتبها التاريخ من إحدى بوابتين، إما بوابة الخير البيضاء أو بوابة الشر السوداء، من الأولى يزرعون الأرض فينبت القمح والورد وسعادة الإنسان، ومن الثانية يهدمون البنيان ويحرقون الشجر ويقتلون البشر بغير وجه حق، هذه الجملة «العروس جميلة لكنها متزوجة» كانت السبب في اغتصاب فلسطين وتشتيت أهلها.

ففي العام 1879م اجتمع سراً «في بال في سويسرا مؤسسو الحركة الصهيونية ووضعوا قرارات، سميت بروتوكولات حكماء صهيون، الهدف منها السيطرة اليهودية على العالم وكان جزء من هذه القرارات، هو احتلال الأرض الفلسطينية واغتصابها ثم طرد أهلها منها وجمع اليهود من كل أرجاء العالم ليعيشوا فيها بدلاً عن أهلها»، وروج زعيمهم هرتزل مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

في تلك الفترة كان الحاخامات غير متحمسين لفكرة الهجرة إلى فلسطين لكن «ماكس نوردو» وهو من أقرب أصدقاء هرتزل أراد أن يقنعهم بالفكرة فأرسل اثنين من الحاخامات إلى فلسطين ليروها ويعرفوا أحوالها على الأرض، وكانت في أذهانهم عبارات هرتزل عن فلسطين.

وكانت الصدمة للحاخامين عندما وصلا إلى فلسطين فوجدا شعباً يعيش في هذه الأرض منذ آلاف السنين يزرع ويحصد ويعيش عليها ولن يتخلى عنها بسهولة، فأرسلا برقية إلى نوردو يقولان فيها بشكل رمزي: إن العروس جميلة جداً وهي مستوفية لجميع الشروط، لكنها متزوجة فعلاً.

ففهم نوردو المعنى وراء ذلك أي أن الواقع ليس كما يصوره البعض عن أن هذه الأرض هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وأكدا لنودور ذلك عندما عادا والتقيا به في فيينا، ففهم نوردو إن اغتصاب هذه الأرض لن يتم إلا بطريقة واحدة، وهي قتل زوجها الشرعي. وأشارا أيضاً إلى طبيعة الانتهاكات التي يمارسها اليهود ضد العرب، رغم أنهم وصلوا هذه الأرض لتوهم.

«احاد هاعام» أحد الكتاب الصهاينة القدامى، وكان غير متحمس لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، كتب وقتها قائلاً: «إن المستوطنين اليهود الجدد في فلسطين كانوا عبيداً في التيه، وفجأة وجدوا أنفسهم وسط حرية بلا حدود. بل وسط حرية لا رادع لها.

وقد أحدث هذا التحول المفاجئ في نفوسهم ميلاً إلى الاستبداد، كما هي الحال حين يصبح العبد سيداً، وهم يعاملون العرب بكثير من الشراسة، ويمتهنون حقوقهم بصورة فجة وغير مقبولة، ثم يوجهون لهم الإهانات دون مبرر كاف ويفاخرون بما يفعلون. يتصرفون وكأن العرب كلهم متوحشون يعيشون كالحيوانات دون فهم لحقيقة ما يجري حولهم»!

كان لبريطانيا ووزير خارجيتها آرثر بلفور الذي أعطى اليهود وعداً بـ«منحهم» العروس، الدور الأبرز في إنشاء إسرائيل وقتل فلسطين وزوجها الشرعي!

وها نحن اليوم أمام بلفور آخر يجدد العهد البريطاني لليهود بمواصلة دعمهم. ففي خطاب ألقته أمام «أصدقاء إسرائيل» في حزب المحافظين وحضره 800 شخص، أكدت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي على الدعم المتواصل لإسرائيل، في استمرار لنهج اتبعه رؤساء الحكومات المحافظين على التوالي – وعلى النقيض من رئيس حزب «العمال» جيريمي كوربين، أحد أبرز المنتقدين للدولة اليهودية. كما انتقدت ماي أيضاً حزب العمال المعارض لـ«غضه الطرف عن معاداة السامية»، حسب وصفها.

الاحتلال الثالث لفلسطين، الأول كان العام 1948 والثاني 1967، حدث في السادس من فبراير حين أقر البرلمان الإسرائيلي، بأغلبيته من قبل ممثلي أحزاب المستوطنين المستعمرين الأجانب، وأحزاب اليمين الصهيوني المتطرف، قانون سلب أراضي الفلسطينيين الخاصة في مناطق الاحتلال الثانية عام 1967، ومصادرتها بأثر رجعي، مقابل دفع تعويضات مالية لأصحاب الأرض المسيطر عليها.

ولذلك أطلقوا عليه اسم «قانون التسوية»، وهي تسمية كاذبة مضللة، لأنه قانون يستهدف شراء أرض الفلسطينيين بالإكراه، وقد وصفته صحيفة «هأرتس» على أنه «قانون السرقة»، فالقانون وفق الصحيفة العبرية أقر للدولة «سرقة أراضي الفلسطينيين، وستتم السرقة بأثر رجعي، فالمستوطنات والبؤر الاستيطانية أقيمت على أرض خاصة ستصادر من أصحابها بشكل رسمي، وتمنح السارقين الساكنين فيها صك براءة».

يبدو أن الطريق طويل أمام الفلسطينيين والعرب، فها هو حل الدولتين الذي تم الهاء العرب به منذ العام 2003 وبعد أن شكل هذا الحل على مدى عقود مرجعية لكل مفاوضات السلام وللمجتمع الدولي في مساعي تحقيق السلام في الشرق الأوسط يتبخر من البيت الأبيض.

وتعلن إدارة ترامب أنها لن تسعى بعد اليوم إلى إملاء شروط لأي اتفاق لحل النزاع بل ستدعم أي اتفاق يتوصل إليه الطرفان، أيا يكن. لكأن واشنطن تخرج لسانها للعرب والفلسطينيين وتقول لهم «انتظروا أربع عشرة سنة قادمة لنأتيكم بملهاة أخرى غير حل الدولتين»!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات