فور أن أكدت نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة فوز المرشح دونالد ترامب، ارتفعت قرون الاستشعار والحذر الأوروبية إزاء حدود تحول الخطاب الانتخابي لهذا الرجل إلى برنامج عمل حقيقي لواشنطن.
الأرجح أن القراءة المعمقة لترامب وفحص ملفات سيرته الذاتية وقناعاته، أقنعت الأوروبيين بأنهم بصدد نمط قيادي لا ينفصل ظاهره عن باطنه، وأن ما طرحه فى مضمار السباق الانتخابي لن ينحرف كثيراً عن سياساته في سدة الحكم.
يمكن اعتبار التعجيل الفرنسي بعقد مؤتمر باريس حول التسوية الفلسطينية، قبل تسلم ترامب لمهمته بخمسة أيام فقط، أحد ردود أفعال هذه القراءة.
الأوروبيون من أكثر خلق الله دراية بشؤون الشرق الأوسط، وشجونه، وثمة قناعة لديهم، ترقى لمستوى الفهم الاستراتيجي، بأن بعض مدارات حياتهم ومساراتها؛ لا سيما ما يتعلق منها بالأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ترتبط وثيقاً وبشكل مباشر بما يجري لدى جيرانهم على شاطئ المتوسط الجنوبي.
تجدر الإشارة هنا إلى ما قيل فى أوائل سبعينايت القرن الماضي، وقت أن أطلت فكرة السياسة الأوروبية الخارجية الموحدة، وهو أن الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الفكرة أو فشلها سيتجلى فى ميدان الشرق الأوسط وقضاياه.
في إطار حملتهم المسعورة ضد مؤتمر باريس، أشاع الإسرائيليون بتهكم أن فرنسا تبحث عن دور مناوئ لإسرائيل فى فلسطين، بعد أن أخفقت فى سوريا ودمرت ليبيا وتخلت عن المسيحيين فى لبنان، وأنها تحاول مزاحمة الولايات المتحدة ولا تدري أنها لم تعد دولة عظمى.
ما فات هذه المقاربة الإسرائيلية الضحلة، أن المبادرة الفرنسية تستبطن ماهو أبعد غوراً من مسألة منافسة واشنطن أو الاستعاضة عن دورها الضائع فى سياق بعض القضايا العربية الساخنة، فهذه المبادرة تستهدف تنبيه من يهمه الأمر إلى أهمية تسوية القضية الأم فى الشرق الأوسط، قضية فلسطين، بكل محمولاتها وتداعياتها، التي تبقى قابلة للانفجار فى وجه الأوروبيين، قبل أن تصل أصداؤها إلى الولايات المتحدة.
الحق أن الدبلوماسية الفرنسية جهرت بهذا المكنون على لسان وزير الخارجية جان مارك ايرولت «.. نحن لا نريد تقديم هدية للمتطرفين بتواصل الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين..».
وقال مسؤولون فرنسيون آخرون ما مؤداه أن فرنسا تعي الصلة العضوية بين ديمومة هذا الصراع، وبين انتشار ثقافة العنف والتطرف فى رحاب الشرق الأوسط؛ التي وصلت انعكاساتها بالفعل إلى الأوروبيين عبر موجات الهجرة واللجوء إلى بلادهم.
ولفت هؤلاء النظر إلى أن أحد أبرز دواعي المبادرة الفرنسية، تحذير الإدارة الأميركية الجديدة من أخطار وعودها بدعم سياسات التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، ونقل السفارة الأميركية الى القدس، والإفصاح عن العداء للفلسطينيين والعرب والمسلمين، وذلك عبر إبراز وجود تكتل دولي كبير وراء حل الدولتين؛يتعين على هذه الإدارة عدم تجاوزه،
لأن معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي شاركوا فى مؤتمر باريس، وصادقوا على بيانه الختامي، فإن المبادرة الفرنسية التحذيرية، أمست مبادرة أوروبية، يستثنى من هذا التعميم السياسة البريطانية؛ التي تحفظت على البيان ورفضت التوقيع عليه، بذريعة أنه جاء قبل أيام معدودة من تنصيب إدارة ترامب فى واشنطن التي ستكون الضامن الأساسي لأي تسوية.
تقديرنا أنه لا جديد فى هذا الموقف، فلطالما مارست لندن دور الشريك الأوروبي المخالف؛ الذي يضع قدماً فى القارة العجوز وأخرى في الولايات المتحدة، وقد بلغ هذا الدور ذروته بخروج بريطانيا كلياً من الاتحاد الأوروبي وعلينا، والحال كذلك، توقع المزيد من الانحياز البريطاني إلى المعالجات الأميركية للقضايا العربية بعامة، وقضية فلسطين بخاصة.
الشاهد أن الأوروبيين، من خلال إسناد المبادرة الفرنسية، قاموا بخطوة استباقية فى مواجهة إدارة ترامب، وهو موقف لا ينم عن الخصومة أوالتربص بقدر ما يوحى بحسابات تفرضها الخبرة والتباين النسبي للرؤى والمصالح.
ثم إن هذه الحسابات اختلفت بين شطري عالم الغرب على جانبي الأطلسي، حول خطوة ترامب بحظر استقبال مواطني دول سبع ذات أعلبية مسلمة، ويبدو أن المشهد الغربي فى عهد ترامب مرشح للمزيد من التعارض بين هذين الشطرين، ما يثير السؤال عن كيفية التعامل معه أو توظيفه لصالح القضايا العربية ؟!