على الرغم من معرفتنا بأن ديننا الحنيف بريء من الإرهاب كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، إلا أننا بتنا نشاهد تخبطاً عالمياً في مواجهة هذا الإجرام، فبعد أن تم تنفيذ عمليات إرهابية باسم الإسلام ظهرت حركات مناهضة له مثل «جماعة الكراهية في أميركا»، والتي تدرب أفرادها للقتال ضد المسلمين، وشاهدنا مؤخراً بعض ردود الأفعال الشاذة، تمثلت بإحراق مساجد في ولاية تكساس، وآخر في واشنطن، والحريق الأبرز والأحدث كان في كندا.
بالمقابل هناك وجه آخر لردود الأفعال، فقد فُتحت أبواب الكنائس والمعابد للمسلمين لكي يصلوا بها؛ قمة في التعايش واحترام الأديان، هذا هو ملخص المشهد الحالي في مواجهة الإرهاب والتطرف، ولهذا وصفنا هذه المرحلة بالمشوشة، فهي غير واضحة المعالم، ولا التوجهات وغير متوقعة التبعيات، ولا حتى النتائج.
في ظل هذا المشهد المعقد نحن أمام حلين لنزع ارتباطية الإرهاب بالإسلام ،إما انتظار الولادة الطبيعية بأن نقوم بكل التدابير لتسريع هذه الولادة كلغة الحوار وإعادة التنشئة وتغيير المناهج، والتحذير من دعاة الفتنة والرقابة على الخطابات الدينية ومنهجتها، وإما أن نلجأ للحل الأسرع.
ونكون أكثر جراءة، ونُخرج قيمنا الإسلامية الصحيحة بولادة قيصرية عن طريق مؤتمر عالمي أو حملة إعلامية أو مبادرة ضخمة، نرد بها المعروف للشعوب التي فتحت كنائسها ومعابدها للمصلين المسلمين، لنعرفهم بأننا دعاة سلام، وأن ما ينسب للإسلام بعيد كل البعد عن حقيقته التي تجهلونها.
العالم اليوم بحاجة لأن يتعامل مع الإرهاب بشكل أكثر حزماً، فهذه الآفة قد تقود العالم لحرب عالمية، فمن كان مناهضاً للإسلام ويعتبره خطراً على الأمن القومي في تعبيراته ومنشوراته على حسابه في الفيسبوك هو من قام بإحراق المسجد، فمهما طال التعبير اللفظي فلن يكتفي الإنسان عند حدوده، وسيتحرك للتعبير الفعلي من بعدها، ولهذا وجب علينا أولاً أن نحارب من يحمل هذا الفكر قبل أن يتطور ويصبح جريمة تحصد الأرواح.
الانتظار مع هؤلاء لن يجدي نفعاً، بل سيزيد الطين بلة كما يقال، إذ في داخلهم يعتقدون أنهم على حق وهذه من سمات المتطرف، وبأن من يحاربهم هو عدو لمعتقدهم، ولهذا من الواجب أن يتبنى العالم طرقاً أكثر حزماً ووضوحاً في محاربتهم للإرهاب.
العالم اليوم بحاجة لحوار عالمي جديد، تتشارك فيه الشعوب من مختلف الجنسيات والأديان، وبما أننا نحن- المسلمين- لدينا مقومات فكرية وأخلاقية جاء بها ديننا الحنيف، ليقضي على كل أشكال العنصرية والتفرقة، والتي هي أساس الإرهاب، فلماذا ما زلنا ننتظر، فبدلاً من تبرير تصرفات الإرهابيين باسم الإسلام، فلنقدم الحل الأسرع، ونقوم بعملية ولادة قيصرية لأخلاقنا وتعايشنا كونه حلاً لمواجهة الإرهاب.
إن اتفقت جميع الأديان لتقديم نموذج ناصع تبين فيه تعاليمها الأساسية الرافضة لأي اعتداء على الآخر مهما كان لونه وشكله وعرقه ودينه، حينها سيخرج الإنسان المبني على فطرة الخير وبصورة سليمة، وصحيح أن ولادته لحظتها ستكون عملية قيصرية، إلا أن الوضع الراهن يحتاج لأن نتخطى بعض الصعوبات.
إن كان العالم ليس معنياً بأن يطلق هذه المبادرة، وإن كانت الأديان الأخرى لا توافقنا الرأي، فلماذا لا نتخذ من رسالة الله «الإسلام»، وطريقته منهجاً لنا، فقد كانت القبائل والدول والامبراطوريات تنادي بالحرب والقوي يأكل الضعيف، وجاء الإسلام برسالته السمحة ليوحد الصفوف ومنادياً بالتعايش، وعلينا اليوم أن نظهر ونُسوّق لهذا المنهج.
إن استطاعت مؤسساتنا الدينية الإسلامية الكبرى أن تجتمع لتضع لنا منهج الحياة بالصورة الفطرية من حب للخير، والابتعاد عن الشر، فحينها يمكننا الانطلاق لنعمم هذا المنهج للعالم أجمع، فالعالم بأكمله يعاني الإرهاب.
الإسلام جاء برسالة للبشرية بأكملها، وأنا هنا لا أدعو الآخر لاعتناق الإسلام إنما أدعو العالم الإسلامي أن يتخذ خطوة جريئة لمحاربة الإرهاب بما لدينا من مقومات فكرية تبث روح التسامح، بدلاً من التوجه العاطفي والتأثير البطيء على العقول، وبين أيدينا فرصة التأثير الأسرع بإيضاح الصورة الناصحة لمقاصد ديننا كمنهج للتعايش وننتظر من الآخرين أن يساندونا بأظهار مقاصد دينهم، لننعم بالأمان جميعاً، بدلاً من الصراعات والقتل.
إن كان قرارات ترامب أزعجتنا أو حرق المسجد قد أوجعنا، فأيضاً هناك من يتألم لفقدان قريب في احتفالات الميلاد المجيد جراء عمليات إرهابية، ولهذا يجب علينا ألا نسمح لمن لا يمثلنا «داعش» وغيرها من التنظيمات أن يكون لها الرد ولنستبق الأحداث ونرفع راياتنا البيضاء ليس استسلاماً بل سلاماً.
قال أبو القاسم الشابي «إذا الشعــب يومــا أراد الحيــاة فلا بـــد أن يستجيب القــدر»، فهل الشعوب تريد الحرب أم السلم؟، ولا أعتقد أن أحداً يحب الحرب والقتل، ورغم إرادة شعوب العالم بالسلم، إلا أنه لم يتحقق في الكثير من بلدان العالم، وللأسف ما زال الصراع قائم بين أشخاص بأعينهم والشعوب هي من تدفع الفاتورة، ولهذا وجب علينا أن ننادي بسلام الشعوب، وإن كنا لا نملك منابر للحديث، فأمامكم الإعلام الجديد، فاجعلوا منه أرضاً لمبادراتكم، ورسالة تحمل سلامكم، وصورة لإسلامكم.