منذ أصبح دونالد ترامب مرشحاً للحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية، وجدت وسائل الإعلام المختلفة في شخصه وسلوكياته التلقائية غير المألوفة في أوساط السياسيين مادة ثرية مثيرة للاهتمام والتداول من جوانب مختلفة، وحين أصبح رئيساً للولايات المتحدة تضاعف هذا الاهتمام. مقابل ذلك لم تحظَ الظروف التي دفعت به إلى موقع الرجل الأقوى في العالم سوى بالقليل من الاهتمام.

هناك ظاهرة عالمية بدأت بالبروز مع انطلاق ما يسمى ثورة المعلومات والاتصالات مطلع تسعينات القرن المنصرم تعززت إلى حد بعيد بانهيار المنظومة الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة، عرفت هذه الظاهرة بـ«العولمة» التي هدفت إلى تبني قيم وسلوكيات عالمية وفق معايير المؤسسة الرأسمالية الغربية التي أبرز طموحاتها توحيد السوق الاقتصادية على مستوى العالم.

ومع أن دراسات بل نظريات قد وضعت حول ترجيح حتمية ذلك لصالح تبني عقيدة الاقتصاد الحر وإضعاف دور الدولة في إدارته لصالح الشركات إلا أن واقع الحال وضع تلك الدراسات في دائرة التوجس وليس الاعتماد في رسم الإستراتيجيات.

ليس من شك بأن العولمة لم تفرض نفسها بمعزل عن طموحات النظام الرأسمالي العالمي للهيمنة الكاملة اقتصادياً وسياسياً على مقدرات العالم في ظروف دولية ساعدت على ذلك، فإحكام السيطرة على الأسواق العالمية عن طريق جعل الحدود بين الدول، جغرافية أم ثقافية، أكثر ليناً وهشاشة هي السبيل لذلك.

إلا أن تداعيات ذلك التي ظهرت بعد حين لم تكن إيجابية بل كانت سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية كان آخرها أزمة 2008 التي لا تزال تأثيراتها سارية حتى الآن. ولادة ظاهرة معينة من وجهة نظر فلسفية يخلق بالضرورة نقيضها الرافض لها الذي يكون ضعيفا في البداية إلا أنه يزداد قوة مع الزمن على حساب تراجع دور الظاهرة نفسها، فما نلمسه منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 هو تراجع دور العولمة وبروز نقيضها الذي اصطلح على تسميته «الشعبوية».

وعلى الرغم من صعوبة تحديد معنى «الشعبوية»، إلا أنه مصطلح يطلق على كل خطاب سياسي معارض يوجه للطبقات الشعبية في أي بلد بغية التحريض على النظام القائم ومؤسساته ونخبه وتقاليده.

الحركات الشعبوية من حيث المبدأ ليست بالضرورة يمينية التوجه فقد تكون يسارية كما هو حال الحراك الذي قاده الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز، وكما هي طروحات حزب سيريزا اليساري الراديكالي في اليونان، كما لا يمكن إضفاء صفة الشعبوية على أحزاب اليمين التقليدي على الرغم من وجود بعض المشتركات بينهما.

من سمات الخطاب «الشعبوي» التبسيط الشديد لقضايا قد تكون معقدة لأنه موجه لعواطف الإنسان وخلجاتها وليس عقله وجدليته، فهو خطاب لا يحتاج إلى الأرقام والبيانات والحجج العقلية لإقناع الرأي العام وكسب تأييده وعادة ما يرتبط التيار الشعبوي بقيادات ذات كاريزما خاصة لديها القدرة على توظيف الغضب الشعبي سياسياً.

الظاهرة المميزة للحراك السياسي في القارة الأوروبية والولايات المتحدة هي صعود اليمين الشعبوي المعادي للعولمة، الذي تأسس على تبني عقيدة الدولة القومية التي لها فلسفة متميزة ترفض الذوبان في الأطر الأكثر اتساعاً. وباكورة ما حققته «الشعبوية» خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة والصعود المطرد لأحزاب اليمين في معظم دول الاتحاد الأوروبي.

ثمة أسباب عديدة تكمن وراء صعود هذا اليمين الشعبوي لعل أبرزها تزايد مشاعر الإحباط من سياسات النخب التقليدية التي فشلت في توفير الأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي وترسخ القناعات بالدور السلبي الذي لعبته العولمة وما لحق بالطبقات المتوسطة والفقيرة من إهمال وتهميش.

بروز الشعبوية اليمينية في الغرب أجهض القناعات التي تولدت لدى البعض في أوج النجاحات التي حققتها العولمة بإمكانية التجاوز على الهويات الوطنية.