الخلط بين مفهومي الهمّ والغمّ

لو علم أحدنا أين ومتى ستوافيه المنية لم تطأ قدمه ذلك الشارع ولظل مغموماً طوال حياته. و«الغم» في اللغة العربية ليس هو «الهم»، لأنه مرتبط بالقلق من أحداث مستقبلية قد تحدث، أما «الهم» فهو مرتبط بأحزان الماضي وآلام تجاربه المريرة.

ولذا تقول العرب «همّك ما أهمّك» أي ما أحزنك في السابق. ومنها جاءت «الهمهمة، أي ترديد الكلام في الصدر». أما الغمّ فهو كل ما نخشى وقوعه مستقبلاً. ولذا قالت العرب «غمّ الهلال على الناس إذا ستره عنهم غيم أو غيره فلم يُرَ»، وفق قاموس «مختار الصحاح». هذا المعنى يتفق مع الحادثة الشهيرة التي وكز فيها سيدنا موسى شخصاً، فقتله عن غير عمد، إذ قال تعالى «وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً»، وفسر لنا القرطبي المعنى بقوله «أي آمناك من الخوف والقتل والحبس». وكلها أمور مستقبلية كان عليه السلام مغموماً بها.

وعليه، فحينما يأتي المرء إلى مقر عمله أو بيته أو ملتقى أصدقائه لا بد أن يفرق بين ما يحمله في ذهنه من ضغوط نفسية، فإن كانت مجرد هموم مرتبطة بأحداث ماضية فليتذكر أنه لا يملك أن يفعل شيئاً تجاهها سوى أن يستفيد من أخطائه لتفادي الوقوع فيها مستقبلاً. ويمكن أن يوقف هم التفكير بالانشغال الفوري بأمور ترفيهية أو مفيدة تجنح به بعيداً عن هموم تكالبت عليه. وثبت علمياً أن الرياضة تبدد الضغوط التي يعاني منها الإنسان.

أما إن كان ما نحمله مجرد غموم وهواجس لأمور نخشى وقوعها مستقبلاً، فليس بإمكاننا عمل أي شيء سوى الأخذ بالأسباب حتى نحقق ما نصبو إليه. ولحسن الحظ أن أمور الغيب قد غيبت عنا لنعيش تلك «اللحظات» الآنية السعيدة مثلما يفعل الأطفال الذين يكمن سر سعادتهم في أنهم لا ينشغلون بهموم الماضي ولا غموم المستقبل، وهذا سر المتعة التي ينعمون بها. ولنتذكر دوماً حديث المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الجميل: «ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهمّ يهمه، إلا كفّر الله به من سيئاته».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات