مرت الذكرى المئوية لاتفاقية «سايكس بيكو» سيئة الصيت، والإقليم يمر بأصعب مراحله. وقد سمي هذا الاتفاق بـ«سايكس بيكو» تبعاً لموقعي هذا الاتفاق البريطاني مارك سايكس، والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو. وأصبحت هذه الاتفاقية رديفاً لتآمر الاستعمار الأوروبي، الذي قسم البلدان العربية إلى أقسام. ويدرس في مناهج التاريخ في كل المدارس في الوطن العربي على هذه الشاكلة، رغم أن كثيراً من التفاصيل تجانب كثيراً من الصحة.
وقد بدا النقاش بين كثير من الأكاديميين والصحافيين عن احتمال انتهاء الاتفاقية، بسبب ما تمر به البلدان العربية. وقد أطلق ضابط متقاعد أميركي العنان لهذا السجال في مقالة نشرت بعنوان «الحدود الدموية» في مجلة القوات المسلحة. الضابط رالف بيترس يرى أن «سايكس بيكو» خلقت دولاًَ مصطنعة لم تراعِ التكوينات الاجتماعية الإثنية أو الدينية، ما زرع الشقاق في المنطقة، وأدى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
ويرى كثيرون أن هذه المقالة ما هي إلا مخطط لما تنوي فعله الولايات المتحدة من مؤامرة، تقسم فيه المقسم، وتجزئ المجزأ، ولكن الأصول التاريخية للدول العربية لا تتوافق مع الأهواء السياسية السائدة، فالقوميون العرب يرون أن الكيانات السياسية ما هي إلا من صنيعة الاستعمار الأوروبي، وأن الحدود مرسومة إما لأغراض استعمارية وإما لدق الأسافين بين أبناء الأمة الواحدة.
لا شك في أن هناك صحة لبعض الكلام حيث إن التدخلات الأوروبية جلبت كثيراً من المصائب لهذه المنطقة، حيث لا يزال الفلسطينيون يئنون من وطأة الإرث الاستعماري، والعراقيون يتألمون لما لحق ببلادهم من جراء الغزو الأميركي، ولكن القول إن الاستعمار هو المسؤول عن خلق الأقطار العربية فهو قول فيه وجهة نظر.
فحسب ما يقول الأستاذ الراحل الأميركي اللبناني الأصل إيليا حريق فإن أغلب الدول العربية وجدت وأسست من قوى محلية قبل مجيء الاستعمار إلى العالم العربي، ولكن من الصحيح القول: إن معظم الأقطار العربية لا تشكل أمة في إطار دولة كما الحال في الدول الأوروبية، وإن كثيراً من دساتير الأقطار العربية تشير إلى انتمائها إلى الأمة العربية، وإلى توقها للتوحد في دولة واحدة.

ولعل الاستعراض السريع للتاريخ العربي يكشف لنا حقيقة العلاقة بين الاستعمار الأوروبي ونشوء الدول العربية، ففي المغرب العربي ظهرت دولة العلويين في القرن السابع عشر، واستمرت كونها دولة مركزية مستقلة، إلى أن أتى الفرنسيون وفرضوا الحماية عليها في القرن العشرين. وكذلك الحال بالنسبة للجزائر، التي شكلت حكماً مستقلاً عن الدولة العثمانية تحت حكم «الداي»، واستمر إلى أن استعمرت من قبل فرنسا في القرن التاسع عشر.
والشيء ينطبق على تونس، التي استقلت عن الحكم العثماني تحت السلالة الحسينية في 1705، ووقعت تحت السيطرة الفرنسية في العام 1881. وكذلك الحال بالنسبة إلى ليبيا، إذ لم يأتِ إليها الاستعمار الإيطالي، إلا بعد أن كانت تتشكل من كيانات سياسية مستقلة.
والمتتبع لتاريخ الجزيرة العربية يرى أن بروز كيانات سياسية مستقلة، سبق وصول المستعمر إلى شواطئها، فالحجاز كان محكوماً من قبل الأشراف التابعين إلى الدولة العلية، بينما حكم نجد آل سعود منذ القرن الثامن عشر، حيث ظهرت الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم الدولة السعودية الثالثة، والتي استطاعت توحيد معظم الجزيرة العربية تحت المملكة العربية السعودية.
وبالنسبة لدول الخليج فقد ظهرت ككيانات سياسية مستقلة في بداية القرن الثامن عشر، ولعله من الطريف أن التواجد البريطاني لم يكن سبباً في ظهور هذه الدول، بل إن بروز قوة دولة القواسم في رأس الخيمة والشارقة أدى إلى الغزو البريطاني، والسيطرة على ساحل الخليج العربي.
وعلى المنوال نفسه، فإن ظهور الدولة المحلية في اليمن سبق الاستعمار بقرون، فنظام الإمامة في شمال اليمن استمر قروناً دون أن تتعرض المنطقة للسيطرة الأوروبية حتى سقوط المملكة المتوكلية في انقلاب عسكري في العام 1962. وقد سيطر على جنوب اليمن سلطنات محلية سابقة للعهد الاستعماري بفترة طويلة. وقد سيطرت بريطانيا على الجنوب العربي وأسست عدن مستعمرة وبقية السلطنات كونها محميات والتي تساقطت في حرب التحرير والاستقلال في العام 1967.
ولكن ما تأثير اتفاق «سايكس بيكو» على المنطقة؟ تأثير الاتفاق كبير، ولكنه ينطبق أكثر على منطقة الهلال الخصيب (العراق، سوريا، فلسطين، لبنان). فهذه الدول كانت نتيجة لهذا الاتفاق. ومما لا شك فيه فإن كثيراً من الحدود الوطنية كانت نتيجة لمطامع الاستعمار الأوروبي وأهوائه.
والصحيح أيضاً أن اتفاق «سايكس بيكو» قوض المحاولة الجدية لخلق دولة عربية قومية في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا المضمار علينا أن نتذكر ما قاله الراحل صامويل هانتنغتون، «إن الغرب كسب العالم ليس بتفوقه بالأفكار أو القيم أو الدين، ولكن على الأرجح بتفوقه باستخدام القوة الممنهجة. الغربيون ينسون ذلك، ولكن غير الغربيين لا ينسون ذلك أبداً».
الفهم الصحيح للتاريخ ضروري لمعالجة الوضع القائم. تطور الدول العربية في مجملها كانت بسبب عوامل محلية، ولكن العنف الممنهج للقوى الغربية صاغ تطور هذه الدول، ولا نستطيع أن نعلم كيف ستكون مآلات الأقطار من دون تدخل أجنبي.