معاتبة مع كي مون وغوتيريس

استهل الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، البرتغالي الأصل أنطونيو غوتيريس، ولايته بتصريح مفاده أنه «لا ينوي أخذ زمام المبادرة في أية عملية سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين». هذا وعد لا يتناسب ووظيفة غوتيريس، على رأس المنظمة المنوط بها السهر على تطبيق القوانين والقرارات الدولية؛ التي تحتم عليه التدخل واتخاذ المبادرات اللازمة لهذا الغرض.

ومع ذلك، فإن الرجل سرعان ما ناقض موقفه هذا على ما به من نقيصة وعوار، حين مضى في ذيل التصريح ذاته الى أنه «يؤمن بالصلة بين القدس واليهود».. وزاد طين رؤيته المعيبة بحراً بالقول «إنه من الواضح كوضوح الشمس بأن الهيكل الذي هدمه الرومان في القدس كان هيكلاً يهودياً».

لا ندري ما إن كانت هذه المداخلة؛ التي استخلصتها منه إذاعة صوت إسرائيل بالعبرية، نوعاً من تقديم صكوك الغفران والبراءة للحركة الصهيونية ويهود العالم، على غرار ما فعل سلفه بان كي مون. ففي أوائل عهده، أظهر كي مون تعاطفه مع الرواية الصهيونية الإسرائيلية للصراع على أرض فلسطين بعامة وحول القدس بخاصة.

والمدهش أن هذا الرجل، الذي يفترض أنه بات من المخضرمين في ظواهر هذا الصراع وبواطنه خلال سنوات ولايته العشر، أنهى عهده على نحو ما بدأه وزيادة، بأن عبر عن رفضه لقرار اليونسكو؛ الذي نفى في أكتوبر الماضي وجود أي علاقة بين اليهود والمواقع المقدسة في زهرة المدائن بعامة والمسجد الأقصى بخاصة.

المؤكد أن كي مون وخليفته غوتيريس ليسا متخصصين في علوم التاريخ والآثار والديانات والتطور الحضاري على الصعيدين العالمي والشرق أوسطى.. فالأول شغل رئاسة أمانة الأمم المتحدة بعد أن قضى عدة أعوام وزيراً لخارجية دولته الأم كوريا الجنوبية، والثاني تدرج في مراتب العمل السياسي، الى أن ترأس الوزارة في بلاده ثم مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين.

وحتى لو كان الرجلان من ذوي الاختصاص، فإنهما بحكم موقعهما الإداري والسياسي والقانوني، غير مخولين بالإفتاء جهراً في مسألة بحجم تاريخ القدس مساراً ومصيراً، بما يخالف التكييف الدولي لهذه المسألة.

أكثر من هذا مدعاة للحنق، أن غوتيريس يذهب في فتواه إلى أن «انتماء الهيكل المقدس لليهود أمر واضح كوضوح الشمس». كيف تمكن صاحبنا من تبصر تاريخ القدس بكل هذا الوضوح، في حين لم تتمكن من ذلك اليونسكو؛ وهي المنظمة الدولية المستأمنة على التاريخ والتراث العلمي والثقافي الحضاري للدنيا بأسرها؟!..

بل وكيف لم تتمكن من هذه «الرؤية الواضحة» لجنة التحقيق الدولية التي أفرزتها عصبة الأمم عام 1930، لتحديد الجهة التي تعود إليها ملكية الحرم القدسي وحائط البراق، المسمى يهودياً بحائط المبكى.. وأثبتت وقتذاك بأنهما ملك خالص للمسلمين وحدهم، ولا صلة لليهود واليهودية بهما؟!

ربما استشعر كي مون حجم الخطأ المهني الذي أوقعه فيه انسياقه وراء التضليل الصهيوني.. هذا ما نفهمه من تصريح لاحق للناطق باسمه ستيفان لاغريك أشار فيه الى انه «من حق الأمين العام أن يكون له رأي خاص بشأن وضعية الأماكن المقدسة».

وعلى سبيل تصحيح هذا التصحيح، وليس المناكفة، نلفت النظر إلى أن جمهرة المتلقين والمستقبلين لآراء كي مون وخليفته، لا يسعهم التمييز بسهولة بين التكييفات الشخصية وبين المواقف المهنية لأناس يتربعون على قمة المسؤولية الدولية.. ثم أنه من الصعوبة بمكان الاعتقاد بأن هذين المسؤولين ارتكبا هذه السقطة المهنية بشيء من العفوية وقلة الخبرة.

لقد فعلها كي مون في أكتوبر الماضي وهو يعلم أنه سيغادر كرسي الأمين العام وشيكاً، وفعلها غوتيريس فور قعوده على هذا الكرسي. ولو افترضنا فيهما حسن النية، لكان الأول أغلق أبواب رأيه الشخصي لمدة الشهرين الباقيين على شغله المنصب، ولامتنع الثاني عن الإدلاء برأي يعلم أنه يخالف الشرعية الدولية، التي أصبح مؤتمناً عليها.

في كل حال، نحن راهنا بين مسؤول أممي سابق ذي شهادة مجروحة شخصياً ومهنياً، ومسؤول قائم على رأس عمله يفترض أن يمسك عليه لسانه، وعلينا أن نتابع ما يبوح به بخصوص قضايانا العربية، وأن نلفت نظره إذا ما حادت به الأهواء الذاتية عن الجادة التاريخية والقانونية الحقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات