كشفت الأيام القليلة التي أعقبت استلام الرئيس الأميركي ترامب مهام منصبه، عن أنه ليس جاداً فحسب في تنفيذ طروحاته المثيرة للجدل خلال حملته الانتخابية، بل متعجل في ذلك، فخلال أيام قلائل، أصدر عدداً من القرارات التنفيذية بشأنها، قد لا يكون بعضها سالكاً لأسباب تتعلق بمدى دستوريتها، وبشرعية اتخاذها، وبتعارضها مع القيم الغربية، ومع تقاليد المؤسسة الأميركية الحاكمة
. في هذا السياق، يُطرح التساؤل حول علاقة إدارته مع العراق، وعن مستقبل الوجود العسكري الأميركي، بعد هزيمة تنظيم داعش في الموصل، التي تمثل انعطافة مهمة في الحرب على الإرهاب.
نتذكر أن ترامب أكد خلال حملته الانتخابية، على موقفه الرافض لقرار احتلال العراق، معرباً عن معارضته لنهج التدخل لإعادة بناء الدول وفق المنظور الغربي، لفشل هذا النهج، وقد حرص على تأكيد موقفه هذا بعد فوزه بالرئاسة، في مقابلة مع صحيفتي التايمز البريطانية وبيلد الألمانية في السادس عشر من يناير المنصرم، وصف خلالهما قرار احتلال العراق بأنه «كان واحداً من أسوأ القرارات.
وربما أسوأ قرار اتخذ في تاريخ بلادنا على الإطلاق». وسبق لترامب أن ارتأى في عام 2007، أن على الولايات المتحدة إعلان الانتصار والانسحاب من العراق، إلا أنه عاد واتخذ موقفاً مغايراً بعد ذلك، حيث وجه أشد النقد لإدارة الرئيس أوباما، لقرارها بسحب جميع القوات الأميركية من العراق.
قراران خطيران مهدا لظهور تنظيم داعش، كأبرز الظواهر الإرهابية في العصر الحديث، الأول اتخذه الرئيس بوش باحتلال العراق عام 2003، والثاني اتخذه الرئيس أوباما بسحب القوات الأميركية منه عام 2011. فالقرار الأول أفسح المجال لظهور الحركات المسلحة الرافضة للوجود الأميركي، في حين سمح القرار الثاني، بترك الساحة العراقية شبه خالية، لتفرض بعض هذه الحركات نفسها على الساحة السياسية.
الرئيس ترامب وضع محاربة الإرهاب على رأس أولوياته، لذا، من المرجح ألا يكرر ما اعتبره خطأ ارتكبته إدارة سلفه، فهو يدرك أن العراق لا يزال الساحة الرئيسة لمحاربة الإرهاب، وقد يبقى كذلك إلى حين، لذا، عرض في حديثه الهاتفي مع رئيس الوزراء العراقي، تقديم المزيد من الدعم والمساعدات.
كما أن هناك شخصين مهمين جداً في إدارته، لهما ما يقولانه بشأن بقاء القوات أم انسحابها بعد تحرير الموصل، هما مستشار الأمن القومي «فلين»، ووزير الدفاع «ماتيس»، وهما جنرالان متقاعدان، يؤيدان بقوة خيار الإبقاء على القوات الأميركية.
كما أن هناك ما استجد من طروحات الرئيس ترامب، يرجح في ضوئها بقاء القوات الأميركية، وربما زيادة تعدادها، منها الحاجة لضمان سلامة المناطق الآمنة في سوريا، التي أعلن الرئيس عن نيته في فرضها، ومنها التصعيد المتوقع مع إيران.
وما يحمله من رسائل تطمين من أن منطقة الشرق الأوسط وأمنها لا يزالان على رأس أولويات السياسة الخارجية الأميركية، فاحتلال العراق، هو ما جلب عدم الاستقرار لهذه المنطقة، وسمح لإيران أن تبني قوتها، وكلف الولايات المتحدة الآلاف من القتلى.
لم يستطع الرئيس ترامب، القادم من عالم الأعمال، مغادرة عالمه في طروحاته السياسية، ففي حديثه مع مسؤولين من الاستخبارات الأميركية في الواحد والعشرين من يناير المنصرم، لمح إلى أنه كان يتعين على الولايات المتحدة أن تستولي على النفط العراقي، تسديداً لتكاليف الغزو عام 2003، فللمنتصر حق الحصول على الغنائم، مضيفاً «لكن، حسناً، ربما تكون هناك فرصة أخرى».
من الصعب التعرف إلى مدى جدية الرئيس ترامب في تنفيذ ذلك، بل نكتفي بالتطرق سريعاً إلى الناحية القانونية، فنحن لم نعد في حقب الغزو والسلب وشريعة الغاب.
والقانون الدولي الذي أسهمت الولايات المتحدة نفسها في صياغة بنوده، يعتبر مصادرة الممتلكات المدنية للشعوب المغلوبة بمثابة جرائم حرب. لذا، فإن الإدارات الأميركية المتعاقبة التي حققت الانتصارات في الحروب التي خاضتها، وهي كثيرة، لم تعمد إلى مصادرة ثروات البلدان الخاسرة، بل ذهبت عكس ذلك، فمشروع مارشال الشهير في إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ليس غير مثال واحد على ذلك.