المفارقات التي حملها خطاب الرئيس الأميركى دونالد ترامب في حفل تنصيبه تطرح الأسئلة وتثير التأمل.

أول المفارقات يرتبط بالطابع الرنان للكلمات مع غموض معناها؛ فالرئيس الجديد قال إن تنصيبه لا يمثل مجرد نقلاً سلمياً للسلطة من إدارة لأخرى أو من حزب لآخر، وإنما هو نقل السلطة من واشنطن، أي الحكومة، «إلى الشعب». والعبارة لها وقع جيد على الأذن، لكنها قيلت في بلد يقوم دستوره على الديمقراطية التمثيلية. فواضعو الدستور الأميركى رفضوا صراحة الديمقراطية المباشرة، على طريقة أثينا، حيث يحكم فيها الشعب بنفسه، وقالوا بوضوح إنهم ينشئون «ديمقراطية تمثيلية» بمعنى أن ينتخب الشعب ممثليه، بمن في ذلك الرئيس، ليحكموا «نيابة عنه» ويمثلونه. والحقيقة أن الشعب سيحكم من خلال ترامب تماماً كما كان الحال مع سابقيه من الرؤساء.

ثاني المفارقات أن ترامب قال للذين احتشدوا ليشهدوا تنصيبه إنهم جاءوا للمشهد «لتصبحوا جزءاً من حركة تاريخية لم يشهد العالم مثلها أبداً». والحقيقة أنه بكل معايير الموضوعية لا يمكن اعتبار أنصار رئيس لم يفز بالنسبة الأعلى من الأصوات الشعبية ممثلين «لحركة تاريخية لم يشهد العالم مثلها أبداً»، فهم ببساطة جزء من المجتمع الأميركي أيد ترامب. غير أن اللافت للانتباه في هذا الصدد هو أن الرئيس، الذي لم يفز بالأصوات الشعبية، عادة ما يبحث عن لغة خطاب تستهدف طمأنة خصومه ومعارضيه ولو بمنطق نفعي قائم على رغبته في أن يحكم بسهولة. لكن ترامب وجه خطابه لمن ناصروه فقط، ولم يبذل جهداً يذكر في طمأنة قطاع واسع من الأميركيين يشعرون بالقلق من توليه دفة الأمور.

وترتبط المفارقة الثالثة بالمعنى ذاته؛ فالرئيس الجديد، الذي وقف على المنصة وسط مقصورة حافلة بأهم رموز النخبة السياسية في واشنطن من أعضاء الكونغرس والقضاة وغيرهم ممن سيعمل معهم بعد ساعات كانوا أول من تحدث عنهم بمنطق «نحن وهم»، فقد قال ترامب عن هذه النخبة السياسية في الدقيقة الأولى من خطابه إنهم «مجموعة صغيرة في عاصمة بلادنا حصلت على كل مزايا الحكم، بينما تحمل الشعب التكلفة. انتعشت واشنطن لكن الشعب لم يشارك في ثروتها». وتلك النخبة نفسها هي من اجتمع الرئيس معها، فور تنصيبه، لتناول الغداء احتفالا به، ثم التقاها ليلاً مرة أخرى في مناسبة حملت كل أوجه الاحتفال والتسامر المشترك! وبينما تحدث الرئيس الجديد عن أوجاع الشعب، كانت من أولى قراراته التنفيذية إلغاء قرار لأوباما يخفض من عبء شراء المساكن عن كاهل الطبقة الوسطى.

أما العالم، فكان صاحب نصيب الأسد من المخاطبة بمنطق «نحن وهم»، فالعالم، وفق خطاب ترامب، بما في ذلك الحلفاء، استغل الولايات المتحدة الأميركية وأثرى على حسابها ونقل مشكلاته لها دون أن يتحمل حتى تكلفة الدفاع عنها، فقد استخدم ترامب خطاباً غاضباً وواضحاً في آن معاً قائلاً «لعقود عدة، أثرينا الصناعات الأجنبية على حساب الصناعة الأميركية، ودعمنا جيوش دول أخرى بينما سمحنا بالانهيار المؤسف للغاية لمؤسستنا العسكرية، ودافعنا عن حدود دول أخرى ورفضنا أن ندافع عن حدودنا». ثم قال بوضوح إن «قراراً جديداً» أصدره هو ليستمع له الجميع في كل مدينة «وكل عاصمة أجنبية» خلاصته أنه من الآن فصاعداً ستحكم أميركا رؤية جديدة مؤداها «أميركا أولاً».

والحقيقة أن تعبير «أميركا أولاً» له دلالة تاريخية محددة من الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي قامت على الرغبة في التخلي عن الحلفاء في أوروبا وقت الحرب العالمية الثانية. وهي مسألة التقطتها على الفور أغلب العواصم الحليفة لأميركا حول العالم، فجاءت ردود أفعالها على خطاب التنصيب، من ألمانيا لفرنسا واليابان، تعبر عن القلق والاستعداد لاتخاذ مواقف مستقلة؛ فعلى سبيل المثال، قالت ألمانيا رسمياً إنها في طور الاستعداد لإمكانية بناء علاقات اقتصادية وتجارية مستقلة مع الصين حال قررت الولايات المتحدة في عهد ترامب شن حرب تجارية على الأولى.

ورغم المغزى المهم وراء كل من تلك المفارقات، إلا أن الأكثر خطورة من بين كل ما قاله ترامب هو تلك العبارة اللافتة التي قالها بشأن الوطنية وعلاقتها بالمجتمع، فالرئيس الأميركي قال إنه «في القلب من عملنا السياسي سيكون ولاؤنا الكامل للولايات المتحدة.. ومن خلال ولائنا لبلادنا سوف نكتشف ولاءنا لبعضنا البعض». فبينما يضع التيار الليبرالي والمحافظ الفرد أولاً ويضع الاشتراكيون المجتمع أولاً، أليس ما تعلمناه أن الفاشية وحدها هي التي تعتبر أن الفرد والمجتمع لا ينتعشان إلا إذا انتعش «البلد»، وكأن البلد خال من الفرد والمجتمع؟!