رحل باراك حسين أوباما من البيت الأبيض بعد فترتي حكم دامتا ثماني سنوات. رحل بعد أن تعلقت آمال العرب بأول رئيس أسود ينتخب إلى الأبيض.
لعل هذا الرئيس من أصول إفريقية ومسلمة ينصف العرب والمسلمين بعد أن يئسوا من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، والتي يرى الكثير فيها إجحافاً في حقوق العرب. ولكن خابت الآمال لأنه ولسوء حظ العرب، أن الأميركيين لا يحكمهم أفراد بل مؤسسات؛ وأن مشكلة العرب مشكلة لا تتعلق بفرد أو مجموعة أفراد بل المشكلة بنيوية في المجتمع والفكر الأميركيين.
ولكن ما يهمنا في الموضوع هو انتخاب أوباما والاستثنائية الأميركية، والأخير مفهوم عقدي وإيماني. وقد سئل الرئيس السابق أوباما عن الاستثنائية الأميركية، فقال بتحفظ شديد، إنه يؤمن بالاستثنائية الأميركية، وأردف: ولكن أعتقد أن البريطانيين واليونانيين يؤمنون باستثنائيتهم أيضاً.
والعجب أن هذا الفهم للاستثنائية الأميركية قاصر عن المعنى الأصيل لهذا المفهوم. الاستثنائية ليست الفرادة، بمعنى أن كافة الأقطار فريدة. فالدول العربية تنفرد بخصائص معينة تجعلها فريدة، ولكنها تتشارك في ملامح ثقافية وتاريخية وجغرافية.
والاستثنائية مفهوم مختلف عن الفرادة. وكما يقول المؤرخ الأميركي توماس بيندر مؤلف كتاب «أمة بين الأمم: موقع أميركا في تاريخ العالم»، أن مفهوم الاستثنائية الأميركية لا يعني أن الولايات المتحدة فريدة فحسب، بل أن لها صفات لا يشاركها فيها أحد. ويشير بيندر إلى أن المقولة الأسطورية بالاستثنائية الأميركية ما هي إلا تسطيح لتاريخ أميركا ومجتمعها وتسطيح لتاريخ العالم ومجتمعاته. فالمقولة لا تعترف باختلافات المجتمع الأميركي وبالتالي بتاريخه، وتجعل من العالم وحدة واحدة في مقابل النموذج الأميركي.
ويشير البعض إلى أن انتخاب أوباما استثنائية أميركية بامتياز. فلا يمكن تخيل أن يحتل «عشرة داونينغ ستريت» مهاجر آسيوي، ولا يمكن بأي حال أن يسكن في قصر الإليزيه مهاجر من شمال إفريقيا. أما أن يصبح ابن مهاجر من كينيا أسود البشرة رئيس أقوى دولة في العالم، فهذه هي الاستثنائية التي لم ولن تحصل إلا في أميركا.
ولكن هذه نظرة غير تاريخية؛ فتاريخ العالم مليء بأمثلة مشابهة لسردية أوباما. أولاً، أوباما ليس أول رئيس أميركي أسود. فقد سبقه في ذلك جوزف روبرت (1809-1876) والذي ولد في فرجينيا وهاجر ومعه مهاجرون من السود إلى إفريقيا، وأسسوا ليبيريا، وترأسها روبرت ليصبح أول رئيس أميركي أسود في العام 1847، أي قبل ما يزيد على قرن ونصف القرن من تتويج أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.
مثال آخر هو الشاعر الفرنكفوني ليوبولد سنغور (1906-2001) والذي نشأ مسيحياً في السنغال التي يصل فيها المسلمون إلى ما يزيد على تسعين في المائة. ولكن استطاع سنغور أن يفوز بالرئاسة لثلاث فترات متتالية. وقد لقي جل دعمه من الطرق الصوفية في الريف السنغالي. بينما منافسه المسلم تلقى دعمه من الأوساط الحضرية الأكثر علمانية.
والأسرة الهاشمية التي تزعمت الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين نشأت في الحجاز. وتمدد حكم الأسرة في ثلاث دول عربية هي سوريا والعراق والأردن. فقد حكم سوريا الملك فيصل (1883-1933) إلى أن أزاحه الفرنسيون من حكم سوريا. ثم انتقل إلى العراق، حيث توج ملكاً على العراق بموجب استفتاء شعبي في العام 1921. وكذلك الحال بالنسبة لأخيه الملك عبدالله (1882-1951)، والذي توج أميراً على إمارة شرق الأردن، ثم ملكاً على المملكة الأردنية الهاشمية بعد أن نالت استقلالها في 1946.
كينيث كاوندا (ولد في 1924) الذي قاد بلاده زامبيا إلى الاستقلال من الحكم البريطاني. وعند استقلال البلاد في العام 1964 فاز بالرئاسة واستمر في حكم بلاده إلى العام 1991، حين هزم في الانتخابات الرئاسية. إلا أن المهم في سياق الموضوع أن الرئيس كاوندا ابن قس مهاجر من ملاوي. ولا أعتقد أن أحداً يدعي في زامبيا أن ترؤس ابن مهاجر استثنائية زامبية.
وفي نفس القارة، الرئيس السابق لغانا جيري رولنغز (ولد في 1947)، والذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري في آخر يوم من 1981، مولود لاب اسكتلندي وأم من غانا. وبعد استعادة الديمقراطية في غانا، انتخب رئيساً لفترتين متتاليتين 1992 و1996.
وأخيراً، في القارة العجوز انتخب نيكولاس ساركوزي رئيساً لفرنسا في العام 2007. ومن المعروف أن ساركوزي ولد لاب هنغاري مهاجر وأم من أصول يهودية يونانية. وقد شغل مناصب عليا قبل أن يصبح الرئيس الثالث والعشرين للجمهورية الفرنسية.