صدور قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي أدان وحرَم الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، أثلج صدور المفاوضين الفلسطينيين.. والظاهر أن سماح الإدارة الأميركية الماضية في ربع ساعتها الأخيرة بمرور القرار، عزز قناعة هؤلاء المفاوضين بجدوى سياسة مراكمة نقاط التأييد والانتصار الدولي لقضيتهم التحررية، عبر أسلوب الخطوة خطوة، وما يعرف بسياسة خذ وطالب.

وكان من أصداء هذه الثقة في الذات، أن أبدت السياسة الفلسطينية مزيداً من الحماسة تجاه المبادرة الفرنسية، لعقد مؤتمر باريس الدولي للتسوية الفلسطينية.

في هذا الإطار، لاحق الفلسطينيون «العيار» الفرنسي حتى باب الدار.. فأكدوا موافقتهم على فكرة المؤتمر، واستجابوا لدعوة الحضور في وجود الطرف الإسرائيلي أو في غيابه، وكظموا غيظهم وغضبهم، عندما استنكف الراعي الفرنسي عن هذه الدعوة، بناء على الرفض الإسرائيلي المطلق للمشاركة في المؤتمر، والتشهير به وبمخرجاته من حيث الشكل والموضوع.

وقد برر الفرنسيون سحب دعوتهم للفلسطينيين، بالرغبة في توخي التوازن بين الخصمين، الإسرائيلي والفلسطيني، والوقوف على مسافة واحدة منهما. ومع أن هذا التبرير لا يصمد أمام المنطق العقلاني، لأنه يساوي بين المقبل على هذه المناسبة السلمية وبين المدبر عنها، فإن الطرف الفلسطيني أصغى للوسيط الفرنسي ورفع عنه الحرج، وراح يتابع المؤتمر عن بعد، ثم أعلن ترحيبه بكل ما ورد في بيانه الختامي.

هذا الاصطبار وطول النفس، يسجل لصالح الفلسطينيين، حتى ليصح الاعتقاد بأن دبلوماسيتهم قطعت شوطاً طيباً، وإن لم يكن كاملاً، في سبيل تعزيز مفهوم تدويل قضيتهم الوطنية. ندفع بذلك، وفي الخاطر أن هذا المفهوم لا يتعلق، في اعتقاد الفلسطينيين، باجتماع منظومة واسعة من الدول والمنظمات الدولية في باريس أو في غيرها من العواصم، وإنما باتخاذ خطوات أو سياسات إجرائية وعملية في سبيل تطبيق ما ضمنته مثل هذه المنظومة وصدقت عليه من حقوق للشعب الفلسطيني.

بشيء من المبالغة، لنا أن نعتبر اجتماع ممثلي خمس وسبعين دولة ومؤسسة دولية مرموقة لأجل التسوية الفلسطينية، مكسباً لمفهوم التدويل المأمول فلسطينياً.. كيف لا، وقد جرى هذا الاجتماع في أجواء عربية وشرق أوسطية ودولية مفعمة بأسباب الانشغال عما يدور بين إسرائيل وفلسطين من نزال وسجال. وعطفاً على هذا المنظور بالذات، كان التئام مؤتمر باريس موضع سخط الإسرائيليين، فقد خابت ظنونهم وهواجسهم بأن الدنيا بأسرها نحت فلسطين جانباً، وأنشدت إلى قضايا فارقة أخرى يصعب حصرها، بما يفترض أن يحول دون انعقاد المؤتمر من الأصل.

على أن هذه الملاحظة لا تنفي الاعتقاد بأن المؤتمرين ساروا على حبل مشدود، والتزموا بما هو قائم وتم إقراره بالفعل في لقاءات دولية قريبة الشبه.. فهم لم يقرنوا التزامهم بحل الدولتين ونبذ الاستيطان وتهويد القدس وقرارات الشرعية الدولية والقوانين ذات الصلة بالتلويح، تصريحاً أو تلميحاً، باحتمال اتخاذ عقوبات بحق العصيان الإسرائيلي المزمن. ثم إن بيان باريس اتفق مع المطلب الإسرائيلي الثابت، بجعل المفاوضات الثنائية، الطريق الوحيد لحل الصراع، وحدد الخطوط العريضة التي يجري التفاوض في إطارها.

والحق أن الفلسطينيين لم يعترضوا على ذلك، لكنهم كانوا يطمعون في وضع سقوف زمنية وموضوعية لهذه المفاوضات، والتعريف بالخطوة التالية العقابية بحق الطرف المتمرد عليها. ولم يكن الفلسطينيون متكلفين، ولا كانوا متجاوزين، حين تطلعوا إلى إمكانية تشكيل مجموعة دولية مراقبة ومتابعة للمفاوضات الثنائية، على غرار المجموعة المسماة 5=1، التي انخرطت في المفاوضات الموصولة بالمشروع النووي الإيراني، وكذا إمكانية تحويل البيان إلى مجلس الأمن، لمنحه قوة دفع أشد وقعاً لدى دوائر السياسة والحكم في إسرائيل.

سيقول البعض إن المؤتمرين، ولا سيما الدولة الراعية، فرنسا، سيتولون مسألة المتابعة والتنسيق، وأنهم توافقوا على الالتقاء مجدداً قبل نهاية 2017، للتأكيد على ما ورد في البيان وملاحظة التقدم. ونحسب أن هذا الطرح يبدو بدوره فضفاضاً وسائلاً، ولعله أقل شأناً من اعتباره آلية للمتابعة الفاعلة والتدويل الحقيقي، بالقدر الذي يثير مخاوف إسرائيل من الإيقاع بها تحت طائلة العقوبات ذات حين قريب أو آخر.