إن حرية الرأي عقيدة وممارسة. وبالإمكان أن تتوافق أيديولوجية معينة مع حرية الفكر عقائدياً وتتنابذ معها ممارسة؛ ولكن العكس ليس صحيحاً. فالأيديولوجية البعثية، على سبيل المثال، تتوافق مح حرية الفكر، فشعار البعث كان الوحدة والحرية والاشتراكية، ولكن في الممارسة كانت الحرية في بلدان البعث في عجز مستمر، وكذلك الحال مع أيديولوجيات القرن العشرين والتي رفعت العديد منها شعارات الحرية ولكنها أخفقت في تطبيقها.

والصهيونية تاريخياً اتخذت الحرية مبدأ لها، ولكنها عارضت المبدأ ممارسة، ومناهضة الحرية كانت دائماً لدعم أهداف الحركة وهي إقامة دولة لليهود في أرض فلسطين، وجمع يهود الشتات في أرض إسرائيل. ولم تمانع الحركة الصهيونية من التحالف مع النازية أو الفاشية طالما أدى ذلك إلى تحقيق الهدف، وقد جاء في كتاب ليني برينر «الصهيونية في زمن الديكتاتورية»، رغم ما يشوبه من خلاف، عن تعاون بين الصهاينة والنازيين، والأمر لا يقتصر على الصهيونية، فالثورة الأميركية رفعت شعار الحرية ولم تنفك من ممارسة العبودية ضد الأفارقة والتطهير العرقي ضد السكان الأصليين، ورفع الأفريكانر شعار الحرية رغم نيتهم المبيت بتأسيس نظام الأبارتايد أو الفصل العنصري.

الحركة الصهيونية تفوقت على سابقيها من المستعمرات الاستيطانية، فقد مارست الحركة محاربة الحرية الفكرية على مستويات دولية وفي ساحات عدة، وقد وثق عضو الكونغرس الأميركي السابق بول فندلي في كتابه «الذين تجرأوا على الكلام» أساليب المنظمات الصهيونية في إشاعة جو الخوف في الجامعات الأميركية لمنع أي صوت ناقد لإسرائيل أو مساند للفلسطينيين، وقد استهدف فندلي والذي أدى إلى خسارته لإعادة انتخابه في العام 1982.

محاربة حرية الرأي عند الصهاينة لا تقتصر على تشويه الخصوم والسباب مثل نعتهم باللاسامية، بل تشمل أحياناً وسائل عنيفة، فهناك تنظيم باسم رابطة الدفاع اليهودية والتي لا تتوانى عن القيام بأعمال العنف للمناهضين لإسرائيل والحركة الصهيونية، وقد أسس هذه الرابطة الحاخام مائير كاهنا المشهور بدمويته والذي انتقل بعدها إلى إسرائيل وأصبح عضو الكنيست الإسرائيلي، وقد قامت هذه المنظمة - كما جاء في تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي - بتفجير مكتب الناشط السياسي الفلسطيني الكس عوده في العام 1985، وقد فر قاتلوه إلى إسرائيل، وكان رد فعل التنظيم بلسان رئيسه أن القتيل «حصل على ما يستحق».

هناك أمثلة على ممارسة العنف ضد الناقدين لإسرائيل أو الإساءة الشخصية والتشهير بهم، ويعرف كثير من الساسة الأميركان قوة اللوبي المساند لإسرائيل وقدرته على تحطيم المستقبل السياسي لمن يتعرض لإسرائيل، وقد وجه اللوبي سهامه لكثير من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب واستطاع إنهاء مستقبلهم السياسي كالسيناتور شارلز بيرسي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، والذي خسر مقعده بسبب نقده للغزو الإسرائيلي للبنان.

لا يزال إلى اليوم يشن الصهاينة حملة الإرهاب الفكري ضد منتقدي إسرائيل بضراوة، ففي بريطانيا شنت حملة على زعيم حزب العمل جيرمي كوربن بسبب موقفه المساند للفلسطينيين، ويقول البروفيسور افي شليم، أستاذ العلاقات الدولية لمتقاعد في جامعة أكسفورد، إنه حين فشل مساندو إسرائيل في إلصاق تهمة معادة السامية ضد كوربن، أطلقوا التهمة على حزب العمل، واضطر زعيم حزب العمل إلى التحقيق في الأمر، ولكن التحقيق لم يظهر أية مظاهر عداء لليهود في الحزب.

على المنوال نفسه فقد كشف النقاب عن تسجيل فيديو في أكتوبر 2016 عن مؤامرة كان يصوغها شاي ماسوت، المسؤول السياسي الكبير في السفارة الإسرائيلية في لندن، للإطاحة بوزير الدولة لشؤون الخارجية، ألن دانكون، لمعارضته للسياسات الاستيطانية في فلسطين، وحينها اعتذر السفير الإسرائيلي في لندن للوزير، وقال إن ماسوت سيرجع إلى إسرائيل بسبب هذا التسريب.

وتسعى القوى المساندة لإسرائيل لتمرير مشروع قرار في البرلمان البريطاني يجرم استخدام كلمة صهيوني في سياق اتهامي، ويقول أحد المروجين لهذا القانون إن استخدام صهيوني كتهمة أو ازدراء «ليس لها مكان في مجتمع متحضر، وإن المصطلح أسيئ له باستخدام متكرر في سياق عدواني معاد للسامية».

لا شك أن تقييد أي نقاش على الأيديولوجية هو تقييد على حرية الرأي، والسؤال لماذا تحصل أيديولوجية سياسية محددة على الحصانة من النقاش والتمحيص العلمي أو الأكاديمي ولا تمنح كل الأيديولوجيات هذا الامتياز، والنقاش حول الليبرالية أو الاشتراكية أو الشيوعية أو القوميات في الجامعات والإعلام مسألة معتادة، ولا يعتقد أي كاتب أو أكاديمي أن نقد القومية العربية أو الهندية أو البريطانية عنصرية ضد العرب أو الهنود أو البريطانيين.

وأخيراً، قضية كيث أليسون، عضو الكونغرس الديمقراطي المسلم، والذي أضحى أحد ضحايا الاستهداف الصهيوني في الولايات المتحدة، ويسعى المساندون لإسرائيل منع أليسون من ترأس الحزب الديمقراطي، والسبب يعود إلى أن عضو الكونغرس عن ولاية مينيسوتا يدافع عن حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة بجوار دولة إسرائيل آمنة في حدودها، وكالعادة أثارت الأوساط الصهيونية كثيراً من اللغط حول ترشح أليسون والذي وصف بمعادة السامية وأنه صديق للويس فرقان زعيم أمة الإسلام المتهم بعداوته للبيض واليهود، وسنرى ما إذا سينجح مناصرو إسرائيل من دحر ترشح أليسون في انتخابات الحزب في فبراير المقبل، أم لا؟