يعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أهم مراكز البحث في عاصمة الولايات المتحدة، وقد تأسس المركز في بداية الستينيات من القرن المنصرم، ويعتبر المركز من أهم المراكز التي تؤثر على صنع القرار على الإدارات المتعاقبة، بل أكثر من ذلك، حيث يقوم المركز برفد الحكومة الأميركية بكثير من الخبراء وصناع القرار.
كما أن أعضاء مجلس الأمناء للمركز من كبار الشخصيات السياسية والدبلوماسية في الولايات المتحدة مثل وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر برنت سكوكروفت وزبيغنيو بريزنسكي اللذين شغلا منصب مستشار الآمن القومي، ويتباهى المركز باستقلاله الحزبي والسياسي، رغم أن تمويله يأتي من جهات عدة، بينها شركات كبرى ومتبرعين أغنياء والحكومة الأميركية وبعض الدول الأجنبية.
كعادة مراكز البحوث والدراسات في واشنطن، وخاصة مع بداية عهد إدارة جديدة، فقد قام الخبير الاستراتيجي أنثوني كوردسمان بكتابة بحث قصير موجه إلى إدارة ترامب حول المخاطر، التي تواجه الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
يرى كوردسمان أن هناك مخاطر يجب أن تتعامل معها واشنطن مباشرة، ومخاطر يجب معالجتها على مدى السنين، وهناك اثنا عشر تهديداً يجب أن تواجهها الولايات المتحدة.
أولى هذه المخاطر هي إعادة بناء العلاقات مع الدول العربية الحليفة، وقد وهنت هذه العلاقات، بسبب فقدان الثقة بالتزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة، كما أن العلاقات مع إيران عززت من هذا التخوف، وعلى الولايات المتحدة أن تبحث مع هذه الدول صيغ أخرى لتقوية أمن المنطقة وخفض الكلفة المادية لتامين المنطقة.
وثاني المخاطر، التغول الإيراني في المنطقة والتمدد في كل من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، والشكوك المحاطة باتفاقية النووية مع إيران، وعلى واشنطن تطمين حلفائها في المنطقة بالتزاماتها لمواجهة الخطر القادم من إيران.
أما ثالثة الأثافي فهي الخطر الذي يواجه الولايات المتحدة من الإرهاب والتطرف الديني وخاصة فلول داعش إذا ما قيض للتحالف من هزيمته، وستواجه دول أوروبا والولايات المتحدة تهديداً مستمراً وإلى أمد بعيد خطر الإرهاب من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة، وعلى الولايات المتحدة أن تنخرط في تحالفات مع الدول العربية، وتفادي إثارة مشاعر المسلمين في المنطقة، وفي العالم بشكل عام.
وهناك المعضلة السورية والحرب التي لا يبدو لها حل قريب، والحلول المؤقتة كوقف إطلاق النار لن تؤدي إلى حالة استقرار دائمة، ولا بد أن تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد حل دائم من نظام الأسد لحل كل المشاكل المعقدة الناتجة عن الحرب الأهلية.
ويمثل العراق وتشظي مكوناته تحدياً كبيراً للولايات المتحدة في ما بعد هزيمة داعش، ويجب على الولايات المتحدة أن تساعد العراق في الوصول إلى صيغة سياسية توحد مكوناته وتقيه من الأخطار المحدقة به، كما أن ترك العراق ينقسم إلى دويلات صغيرة ستكون كارثة في المنطقة.
الحرب في اليمن خطر يواجه السياسة الأميركية في المنطقة لجهتي الكارثة الإنسانية، التي يعيشها هذا البلد الفقير أصلاً، وتمرد الحوثي والرئيس المخلوع على الشرعية الوطنية، إضافة إلى ازدياد نشاط القاعدة في مناطق اليمن، وهناك مسؤولية لإعادة بناء اليمن، وتأهليه لمواجهة التحديات المتعددة.
ويمثل تمدد روسيا في منطقة الشرق الأوسط التحدي الكبير وخاصة في ما يتعلق ببيع السلاح لإيران وتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب الولايات المتحدة، وعلى الولايات المتحدة أن تصعد ضد روسيا بشكل متواز في مناطق أخرى من العالم، كأوكرانيا على سبيل المثال، لزيادة الضغوط عليها. وتصاعد نفوذ الصين في منطقة الشرق الأوسط وخاصة تشييد قاعدة لها في جيبوتي.
وتركيا ما بعد الانقلاب الفاشل تشكل تحدياً أيضاً وخاصة في علاقات أنقرة بأوروبا والولايات المتحدة. وعلى واشنطن أن تعيد صياغة علاقاتها بتركيا والتي أضحت في اشتباك مع جيرانها، بسبب الأكراد والأقليات التركمانية، ويعتقد كوردسمان أن إدارة ترامب ستواجه مشاكل في التعامل مع أوردغان.
مصر أكبر الدول العربية وشريك رئيس بالنسبة للولايات المتحدة، ويرى الكاتب ضرورة أن تقدم واشنطن مساعدات لتواجه مصر المتطرفين في سيناء.
وعلى الولايات المتحدة ألا تنتظر القلاقل السياسية للتدخل بل يجب أن تساعد حلفاءها لمنع الاضطرابات السياسية؛ وتقديم العون لهذه الدول لتحقيق التقدم الاقتصادي، وتأسيس منظومة أمنية فاعلة.
وتوصي الورقة بتطبيق الاتفاقيات الأمنية مع إسرائيل، وعلى واشنطن أن تقرر فيما إذا ترغب في التوصل إلى حل الدولتين بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا يبدو في الأفق عوامل مشجعة للتوصل إلى حل سلمي بين الطرفين.
وأخيراً يرى الكاتب ضرورة إعادة النظر في المصالح الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكما هو معروف فإن الولايات المتحدة باتت غير معتمدة على النفط القادم من المنطقة، ولكنها معنية باستقرار ونمو الاقتصادي العالمي الذي يعتمد على تدفق النفط من المنطقة.
من التقرير يبدو أنه من المهم لدول المنطقة فهم هذه القضايا التي تواجه الولايات المتحدة، لتجد لنفسها مساحة للعب دور وخدمة مصالحها الوطنية والقومية.