يا له من شعور جميل حينما تتحرى اتصالاً أسبوعاً من مكتب الوزير أو الرئيس التنفيذي، ليختارك عشوائياً من بين آلاف الموظفين ليتناول معك فنجاناً من القهوة وليتبادل معك أحاديث ودية، وعن سير العمل والإصغاء لمقترحاتك ثم أخذها على محمل الجد. هذا ما يلجأ إليه مدير عام بنك بوبيان في الكويت، عادل الماجد.

حيث جمعني معه قبل أيام حوار امتد لنحو ساعة ونصف الساعة، حاولت من بين المواضيع التي ناقشتها التأكد من أن هذه المبادرة التي أطلقها قبل عامين ما زالت قائمة وفاعلة، فقال إنه ما زال يواظب عليها، وإنها كانت وراء أفكار كثيرة أسهمت في تمييز المؤسسة عن منافسيها، حتى إن «ماكينزي»، أكبر شركة استشارات إدارية في العالم، قد صنفت المصرف من ضمن أفضل سبعين شركة في العالم (منها غوغل وأبل) من ناحية الأسلوب الإداري الخاص بمعايير ماكينزي.

وكان من ثمرات هذه اللقاءات أن جمع مقترحات عدّة أسهمت في خفض التكاليف وأخرى في رفع الأرباح. وهي كلها مقترحات مجانية يقدمها أشخاص يفهمون المؤسسة جيداً، وعلى نحو أفضل أحياناً من المستشارين الخارجيين الذين قد يكونون أبعد عن طبيعة المؤسسة وثقافتها.

وهذا اللقاء يذكرني أيضاً بالرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الذي دعا فور توليه مهامه، كل موظف في الشركة على انفراد ليتبادل معه الأحاديث لمدة 15دقيقة. وكان يدوّن في استبانة معدة سلفاً إجابات المشاركين عن كل سؤال، بحيث يصبح لديه في النهاية معلومات مصنّفة ومحددة يمكن أن يلجأ إليها، وليست إجابات مفتوحة فقط.

وكان في بداية كل لقاء يتعهّد لهم بأن يحاط اللقاء بالسرية البالغة، وأنه لن يفصح عمّا دار فيه، حتى وإن كان فيه نقد لاذع للمدير المباشر للموظف. بعبارة أخرى كان هذا اللقاء رسمياً أكثر من لقاء رئيس البنك، وهي كلها في النهاية خيارات مطروحة أمام القياديين.

ومن ثمرات جلسات الاستماع الدورية مع الموظفين، أنها تمنح القيادي حصيلة جيدة من المعلومات والأسرار، وتكشف بواطن الأمور في بعض الإدارات التي يحاول مديرون إخفاءها. فلا يستطيع المدير بعد ذلك أن يخفي أو «يتبلّى» على موظف من دون دليل دامغ.

كما أن اللقاءات الشخصية تظهر تناقض المعلومات التي يحاول البعض تلفيقها أمام الرئيس. مثال ذلك، إذا كان موظف يتذمّر من عيوب مديره المعيقة للعمل، فبإمكان الوزير أو الوكيل أو المدير العام التأكد من صحة ذلك، من خلال تأمل إجابات آخرين منصفين، ثم أخذ معدل آراء عدد منهم، فيكون انطباعه مبنياً على آراء عدد أكبر من الناس.

كما أن قائد المؤسسة حينما يلتقي دورياً الموظفين، وجهاً لوجه، فإنه قد ينجح في امتصاص شيء من تداعيات تذمّرهم أو مشيهم في الغيبة والنميمة بين الموظفين، بسبب قرارات الإدارة العليا «غير الشعبية» أو الحازمة إن جاز التعبير. بعبارة أخرى، إذا سمع الموظفون، مثلاً، من صاحب القرار مبرراته، ربما يكون قبولهم أو تفهّمهم لها أفضل من سماعها عبر القنوات الرسمية المكتوبة.

ولو واظب كل قيادي على التمسّك بثقافة «جلسات الإنصات» داخل منظومته، لوجد فيها استفادة كبيرة، ربما أفضل بكثير من التقارير الداخلية المنمّقة أو الصورة الوردية التي يحاول بعض المسؤولين رسمها له والتي قد تكون بعيدة عن أرض الواقع.