منذ تقدمت كتلة التحالف الوطني في العراق بمشروعها للمصالحة الوطنية تحت مسمى «التسوية التأريخية» انشغلت الأوساط السياسية وبدرجة أقل الشعبية ومنظمات المجتمع المدني بعقد الاجتماعات ودراسة التفاصيل من أجل إبداء الرأي في القبول أو التعديل أو الرفض.

ومهما تنوعت الطروحات والمواقف ينبغي أن تكون هناك تسوية تنهي حالة الصراع السياسي والتمزق المجتمعي إن كانت هناك نوايا حقيقية للإستمرار في العيش المشترك والحفاظ على وحدة العراق في إطار دولة مدنية في دستورها وقوانينها ومؤسساتها وإعلامها وسياساتها الداخلية والخارجية رغم الصعوبات الكبيرة التي تكتنف تحقيق ذلك في ضوء التوازنات الإقليمية الراهنة.

في هذا السياق نشير إلى أهمية ما ورد في تقرير عام 2016 الصادر عن مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط، المشكلة من قبل المجلس الأطلنطي برئاسة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في عهد بيل كلينتون وستيفين هادلي مستشار الأمن القومي في عهد جورج بوش الإبن.

وهي مجموعة تشكلت لتحقيق هدفين أولهما إثراء الحوار الدائر حول السياسة الخارجية الأميركية المثيرة للجدل وثانيهما التوصل لتفهم أفضل للعوامل الكامنة والمحركة للأزمات التي تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في الدول الأربع التي تشهد ساحاتها صراعات دموية، العراق وسوريا وليبيا واليمن، بغية تطوير أطر شراكة طويلة الأمد تنتهجها الولايات المتحدة في المنطقة بالتعاون مع خبراء محليين ودوليين من المقيمين فيها.

الدراسة تناولت محاور عديدة تتعلق بالأمن والنظام العام، الدين والهوية ومواجهة التطرف العنيف، اللاجئين وإعادة الإعمار والمصالحة، السياسة والحكم وعلاقات الدولة بالمجتمع، التعافي والانتعاش الاقتصادي.

التقرير بمجمله دعوة من قبل شخصيات بارزة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لإدارة الرئيس ترامب لتبني إستراتيجية جديدة في منطقة الشرق الأوسط من منظور أن التطورات التي تجري فيها، إيجابية كانت أم سلبية، لا تقتصر إنعكاساتها على دول المنطقة فحسب بل تتجاوز ذلك إلى الدول الغربية على طرفي الأطلسي بدرجات متفاوتة.

أبرز ما ورد في التقرير فقرة جديرة بأشد الإهتمام لعلها المدخل لمعالجة جميع المحاور التي لامستها الدراسة «الخطوة الأكثر أهمية هي تطوير رأس المال البشري في المنطقة – بما في ذلك الشباب والنساء- وذلك لضمان أن يكون التغيير مستداماً؛ والتعليم هو مفتاح للحل، فلابد من القيام باستثمار استراتيجي في تعليم جيد مناسب للقرن الحادي والعشرين».

التعليم في عهد النظام العراقي السابق خلق الكثير من التصدعات في المجتمع فقد صُممت مدخلات ومخرجات المؤسسات التعليمية الرسمية لتكريس الولاء لأفكار الحزب الحاكم أو الرئيس القائد إلا أنه لم يطرأ عليه تحسن يذكر منذ سقوط ذلك النظام إن لم نقل إنه انحدر نحو الأسوأ.

فقد أدت ممارسات الكتل والأحزاب التي تسيدت المسرح السياسي العراقي إلى تراجع وانحراف مؤسسات الدولة عن مهامها الأساسية بشكل خطير ومنها المؤسسة التعليمية لتحيق بها الفوضى وليعمل كل حسب هواه أو ولائه الطائفي أو السياسي وأصبحت عقول الطلبة ضحية هذا الإنحدار حين باتت المؤسسات التجهيلية هي من يمتلك السلطة على أعلى المستويات في الخطاب معها بغية اغتيالها ونشأ تبعاً .

لذلك جيل مغيب الوعي مسلوب الإرادة يسهل قيادته لتحقيق أغراض سياسية لصالح زعامات طائفية تعتاش على تكريس الإنقسام المجتمعي، ويسهل كذلك إنخراطه في التنظيمات الإرهابية والمجاميع المليشياوية المسلحة التي تعيث فساداً في المجتمع.

فالعديد من عوامل التفكك المجتمعي في العراق يعود لخلل في البناء الفكري والقيمي للإنسان وضعف والتباس في مشاعر انتمائه وحيرة في اختيار هويته. هذه العوامل ما كان لها أن تصبح فاعلة لأداء دورها السلبي لولا وجود قصور خطير في النظام التربوي العام المسؤول عن صياغة وتنمية معالم شخصيته .

والتي تشمل جميع القنوات التي يستقي منها معارفه ومُثله وقيمه والتي تضم المؤسسة التعليمية الرسمية ومصادر المعرفة الأخرى خارجها، الأسرة والعلاقات المجتمعية ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي التي أصبح لها أذرع كثيرة فاعلة تبث الغث والسمين.

التعليم حق أساسي لكل فرد في المجتمع وهو المفتاح الرئيسي لصناعة المستقبل إذ لم تعد الحياة تستغني عن المعرفة في شتى جوانب الأنشطة سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية. الإستثمار في التعليم الجيد ليس من مهام الحكومة فحسب رغم دورها القيادي فيه فليس لبرنامج طموح كهذا يتعلق ببناء مجتمع يسوده السلم والأمن المجتمعي والإستقرار السياسي والإقتصادي فرصا حقيقية للنجاح ما لم تسهم به المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ويسهم به أولياء أمور الطلبة خاصة في المراحل الأولى من الدراسة.

فالتسوية المرجوة لانتشال العراق من الإنحدار نحو التمزق ينبغي أن تكون تسوية مستدامة لإعادة بناء الإنسان وإلا فلن تكون هناك تسوية وإنما صفقة بين سياسيين مصيرها الفشل.