كان الفراغ كله يسكن عينيهما، وكان الشر كله يسكن عينيه. طفلتان في سن البراعم، لم تتفتح عيونهما على مباهج الحياة بعد، متسربلتان في سواد لا يليق بسن الطفولة، وأب متحجر القلب، تجرد من كل معاني الأبوة التي أولها الرحمة، متسربل بالقسوة، التي هي أبعد ما تكون عن الإيمان في كل الأديان، رغم ادعائه أنه لا يريد سوى نصرة الدين وتحريض المؤمنين.
كان يحتضن طفلتيه اللتين لم يتجاوز عمرهما العاشرة، ويضع بين رجليه رشاشاً، وخلفه علم أسود، وكان يحرضهما على مقاتلة الكفار، بدعوى أن الرجال قد ركبوا الباصات الخضر وهربوا، وينتزع منهما إقراراً بأنهما غير خائفتين، لأنهما ذاهبتان عند الله، وكان يدعو الله أن يعيذهم من الرياء والسمعة والنفاق، وأن يجعل عملهم صالحاً خالصاً لوجهه تعالى، ويقسم أنهم لا يقصدون الإساءة لأحد، ولا يخطئون في حق أحد!
هذا هو ملخص الفيديو الذي بثته أم الطفلتين، على ما يُعتقَد أنه حسابها في فيسبوك، قبل أن ترسل هي وزوجها ابنتيها، فاطمة وإسلام، لتفجير نفسيهما في مركز للشرطة بمنطقة الميدان في قلب العاصمة السورية دمشق.
الأب «أبو نمر»، صاحب تاريخ معروف في الإرهاب والتطرف، تنقل بين «النصرة» و«داعش» و«أحرار الشام»، قبل أن يلقى حتفه على يد مجهولين بعد عشرين يوماً من بث هذا الفيديو الصادم، والأم صاحبة الحساب الفيسبوكي «أستغفر الله أستغفر الله»، هي التي سجلت الفيديو وبثته على حسابها.
أما العملية الانتحارية التي أطلقت عليها اسم «غزوة دمشق»، فقد أسفرت عن مقتل فاطمة ذات السنوات التسع، وجرح بضعة عناصر من الشرطة، بينما عادت «إسلام» إلى المنزل، لأن الشرطة لم تسمح لها بدخول المركز، وفقاً لرواية الأم التي يبدو أنها فرحت لمقتل ابنتها الأولى، وحزنت لعودة الثانية!
صورة صادمة جداً ومؤلمة، ومنطق غريب، ليس من الدين في شيء، فالله سبحانه وتعالى أرأف بهؤلاء الأطفال من ذويهم، وهو ليس بحاجة إلى تفخيخهم وتفجيرهم كي ينتصر دينه، تماماً مثلما هو غني عن آبائهم وأمهاتهم الذين يفترون على هذا الدين، لأنه غير عاجز عن نصرته، ولكن عقولهم هي العاجزة عن إدراك قدرته، وعن فهم الدين الصحيح الذي باسمه يفترون ويقتلون.
فأي منطق هذا الذي يتحدث به هؤلاء المجانين؟، وأي دين هذا الذي يطلب منهم أن يدفعوا بأطفالهم إلى الموت، كي يستعيد الدين عزته وكرامته؟، وأي إله هذا الذي يتخيل هؤلاء المجانين أنه راضٍ عما يفعلون؟ إنه منطق المجانين الذين لا يفهون الدين، أي دين، ولا يعرفون الرحمن الرحيم.
بل هو منطق اليائسين العاجزين عن تحقيق نصرٍ يدّعون أن الله قد وعدهم به، والله أعلى وأجلّ من أن يطلب منهم تحقيق هذا النصر بدماء أطفالهم الأبرياء.
ألا يعلم هؤلاء الجهلة، أن أعظم مكان عند الله هو بيته المحرم وكعبته المشرفة؟، ألم يعرفوا ما فعل جد نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام، عبد المطلب، عندما جاء «أبرهة الأشرم» لهدم الكعبة؟، لقد رأى عبد المطلب أنه لا قِبَل لأهل مكة بهزيمة جيش أبرهة، فذهب إليه طالباً منه أن يرد إليه إبله التي نهبها جيشه.
تعجب أبرهة من طلب عبد المطلب، وقال له: أنتم تعظمون البيت، ولم تسألني عنه، وتسأل عن إبلك؟!، فأجابه عبد المطلب بمقولته الشهيرة: «أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه».
ثم ذهب وتعلق بأستار الكعبة، ودعا الله أن يحمي بيته من الغزاة المعتدين، ليس جبناً، فقد كان بإمكان عبد المطلب، وهو سيد قريش، أن يطلب من قومه التضحية بأطفالهم من أجل بيت الله المحرم، لكنه لم يرد أن يلقي بهم إلى التهلكة، لأنه يعرف حرمة ذلك، ولم يأمرهم بالذهاب إلى صنعاء لهدم كنيسة «القليس»، التي بناها «أبرهة» هناك كي يحج الناس إليها بدلاً من الكعبة.
لقد آثر عبد المطلب، العقل على الجنون، فجاء النصر من رب السماوات والأرض، لكن هؤلاء المجانين لا يدركون ذلك ولا يعقلون، لأنهم يجهلون التاريخ، تماماً مثلما يجهلون الدين الذي يدّعون أنهم إليه ينتمون، وعنه يدافعون.
لذلك، هم يدفعون بأطفالهم لقتل أنفسهم بدعوى نصرة الدين، وهم بفعلتهم هذه لا يرتكبون جريمة كبرى بحق أطفالهم فقط، وإنما يشوهون الدين الذي يدّعون أنهم يسعون إلى نصرته، فالدين لا يدعو إلى قتل النفس، ورب هذا الدين غني عن البشر كلهم، ناهيك عن هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين يدفع بهم آباؤهم وأمهاتهم إلى التهلكة، ويسوقونهم لتفجير أنفسهم. إنهم ورب الكعبة يجهلون، وعن الشريعة السمحاء يحيدون.
من قال لهؤلاء الجهلة أن الله يأمرهم أن يقتلوا أطفالهم كي يحموا دينه وينصروه؟، من قال لهم إن الأطفال هم القرابين التي يجب أن يقدموها كي ترتفع رايات الأديان؟، من سمم عقولهم؟، من أوصلهم إلى هذه المرحلة من الجنون؟، من قال لهم إننا ساذجون، وإننا إلى هذه الدرجة مستلبون؟.
فاطمة، ذات السنوات التسع، التي غزت دمشق، حسب تعبير أمها، وأوصت أباها ألا يوقف عمليات التفخيخ في الشام، وطلبت من زوجها «أبي دجانة»، ذي السنوات العشر، أن يلحق بها، أكبر شاهد على أننا قد وصلنا إلى مرحلة من الجنون، لم نعد معها نستطيع التفريق بين الخطأ والصواب، لذلك، نحن نستحق ما يرسله الله إلينا من عذاب، وهل ثمة عذاب أقسى من رؤية فاطمة وأمثالها يفجرون أنفسهم بدعوى نصرة الدين وتحريض المؤمنين؟!