فكرة أن العالم بات قرية صغيرة، تفرض على كل وحدة من وحدات النظام الدولي الانشغال بما يدور في طول الدنيا وعرضها من تفاعلات. ففي لحظة أو أخرى قد يستطرد وقوع حدث ما، لدى طرف ما، إلى التأثير سلباً أو إيجاباً على مصالح طرف آخر، في مكان قريب أو بعيد، من حيث لم يحتسب ودون سابق إنذار.
من ذلك، أن أحداث ما يسمى بالربيع العربي، بما فيها من آمال ووعود وارتكاسات وانتكاسات في شرق المتوسط وجنوبه، بلغت بأصدائها ؛ التي كان أبرزها موجات المهاجرين واللاجئين، إلى شمال المتوسط.. الأمر الذي أشعل مناظرات واسعة النطاق وشديدة العمق والتنوع في الأوساط الأوروبية، وجعلت من حال هذا «الربيع» ومآله ضمن أحاديث الساعة الملحة هناك.
لكن متابعة ما يجري في عوالم الآخرين ومساقات حيواتهم من قضايا وعوارض وتطورات، ورصد احتمالات الانفعال والتأثر بها وبتوابعها، يفترض أن تكون محفوفة بمحددات معينة وليست عملية مفتوحة بلا قيود.
وتقديرنا أن حجم المصالح المنتشرة والمتغلغلة في هذه العوالم، يقع في طليعة هذه المحددات... بمعنى أن هناك علاقة طردية بين حجم المصالح الخارجية بالنسبة للدولة أو الوحدة الدولية، وبين مدى اهتمامها بمدارات الأحداث والقضايا الباردة والساخنة خارج حدودها. هذا واضح تماماً في سياسات الدول العظمى والكبرى ؛ التي تذرع مصالحها مشارق الأرض ومغاربها.
في إطار هذه القناعات، تبدو إسرائيل دولة خارجة أو منحرفة عن السياق العام.. فهي من حيث الحجم الجغرافي والكتلة السكانية أقرب إلى الدول الصغيرة والمنمنمة ؛ بل ويصح أن توصف بعدم اكتمال المواصفات التقليدية للدول. ذلك لأن أحداً لا يعلم لها على وجه اليقين حدوداً مستقرة ومعلومة ومعلنة على الملأ لجهتي الجغرافيا والسكان.
ومع ذلك فإن مجالات اهتمامها ومداخلاتها وحركتها، توشك أن تغطي القارات الست.
وليس أدل على هذا الشذوذ من اتساع المفهوم الإسرائيلي للأمن، ليشمل ادعاء التأثر بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في أقصى الدنيا غرباً، جنباً إلى جنب مع تطورات الحروب الأهلية في العراق وسوريا، ومع أهداف المشروع النووي الإيراني بالجوارين الإقليميين الملاصق والقريب، ومع أبعاد التسلح التقليدي وغير التقليدي من إسلام أباد شرقاً إلى الدار البيضاء غرباً.. ناهيك عن التدبر في مآلات التعامل مع المهاجرين واللاجئين المشرقيين عموماً، على أحوال اليهود في القارة الأوروبية !..
بمثل هذه المساحة الواسعة من الشواغل والاهتمامات، توشك إسرائيل أن تكون الدولة الوحيدة في عالمنا الفسيح التي لا تكف على مدار الساعة عن مراقبة كل صغيرة وكبيرة، في مساحات تتخطى كثيراً دائرتها الإقليمية، بقدر ما تتعدى جدلاً حجم مصالحها بمختلف المعاني والمفاهيم.
ومما يؤشر إلى هذا التفرد، أن رموز الفكر ونخب الحكم والسياسة فيها، لا يتطرقون إلى بعض الأحداث الخارجية من منطلق المتابعة عن بعد، أو عملاً بفكرة أن المعرفة بالشيء خير من الجهل به، وإنما يفعلون ذلك وفي يقينهم أنهم ودولتهم معنيون جدياً بهذه الأحداث وأطراف أصيلة فيها، وينبغي أن يكون لهم حضور في مجرياتها وتحديد مصائرها.
خذ عندك مثلاً، الاهتمام الإسرائيلي الفائض بأوضاع المهاجرين واللاجئين العرب والمسلمين في أوروبا. الفكرة الإسرائيلية السائدة بهذا الشأن أن «..الأحوال الأمنية الأوروبية قد تفاقمت بشدة بالنظر إلى نوعية هؤلاء المهاجرين ؛ التي تحوي متطرفين جهاديين ؛ ليس همهم كسب الرزق، وإنما الإضرار بالمجتمعات الديمقراطية، وذلك يؤثر سلباً على الأوروبيين اليهود..».
ويصل هذا الاهتمام إلى تجاوز اللحظة الراهنة والأجلين المنظور والقصير، إلى ما هو أبعد بكثير، كالترويج لفكرة أن «.. أوروبا ستكون بنهاية هذا القرن عرضة للأسلمة والخضوع لمن يعتبرون اليهود أحفاد القردة والخنازير..».
نفهم من ذلك أن إسرائيل تتخذ من زعم مسؤوليتها عن يهود العالم، ذريعة للانحشار والتدخل في الشؤون الداخلية لقارة بحجم أوروبا. وقل مثل ذلك عن التغلغل الإسرائيلي في شؤون الولايات المتحدة وعدد كبير من الدول ؛ التي تحوي مواطنين يهوداً. ترى هل يكفي هذا الفهم لتفسير الاهتمام الإسرائيلي الاستثنائي بالشؤون الإقليمية والدولية ؟!.
لا نعتقد ذلك، ولو أن يهود العالم كلهم تكدسوا في إسرائيل، ما نقص هذا الاهتمام كثيراً؛ الذي نظنه يعود إلى ارتباط هذه الدولة الاستيطانية، من حيث النشأة والاستمرار، بموازين معينة للقوى الإقليمية والدولية، وحساسية القائمين عليها تجاه أي تغيرات في هذه الموازين.