لا تعرف الطفلة الواقفة على إشارة المرور أن الطرق إلى بلدتها مغلقة والأوضاع فيها مقلقة، وأن في بلدتها الآن عساكر متعددو الجنسيات والألوان والأهداف؛ ثمة من جاء ليحتل موقعاً له على البحر الأبيض المتوسط يطل منه على العالم، ومن جاء ليرسم خارطة بلدها الجديدة، ومن جاء ليمنع شظايا الحرب في بلدها من أن تخترق حدوده.
كل ما تعرفه الطفلة التي ترتجف برداً وجوعاً أنها هنا بعيداً عن بيتها ومدرستها وألعابها وطفولتها. أن تنتظر الإشارة الحمراء لتدق على شبابيك السيارات السوداء والزرقاء والفضية والذهبية المنعم راكبوها بالدفء، لتمد يدها الصغيرة «حسنة لله، الله يوفقك، أنا لاجئة».
بعضهم تدمع عيناه وهو يعطيها مما أعطاه الله، بعضهم يتأفف ويلف وجهه وإنسانيته عنها، وبعضهم يواصل الضحك بأعلى وقاحته لكأنه لم يرَ ولم يسمع توسلات الطفلة التي ينهشها وحش الغربة عن بلدها. كيف لهذه الطفلة، ومثلها آلاف ينتشرن في شوارع العالم كتآليل في وجه السياسة القبيح، أن تفهم ما يجري في هذه القطعة من الكون.
الطفلة على إشارة المرور لا تعرف أصلاً لماذا خرجت من قريتها. أبوها يعرف وربما شقيقها الأكبر قبل أن يُقتل برصاص زميله في المدرسة الثانوية يوم كان الشعب موحداً.نحن أيضاً لا نعرف بالضبط لماذا حدث لبلادها ما حدث وما يحدث. يقال إنه النفط الذي اكتشف قبالة سواحل بلادها في البحر الأبيض المتوسط.
ويقال إنه جزء من خرائط جديدة ترسم للمنطقة العربية على غرار سايكس بيكو مع تغير المسميات إلى (كيري لافروف) وعلى غرار اتفاقية مؤتمر يالطا الذي كان أحد أهم اللقاءات الرئيسية لقادة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945م).
أهم سمات الوضع العسكري عشية انعقاد مؤتمر يالطا هو رجحان كفة الحلفاء العسكرية وذلك بعد انضمام الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية إلى بريطانيا في مواجهة دول المحور، حيث كان الاتحاد السوفييتي قد دخل الحرب عملياً مع اجتياح القوات الألمانية لأراضيه فجر يوم الأحد 22 يونيو 1941.
فيما دخلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب بعد إقدام الأسطول الياباني في 7 ديسمبر من عام 1941 على تدمير الأسطول الأميركي في بيرل هاربر، وقد أدت هذه الأحداث إلى توقف انتصارات دول المحور منذ عام 1942، وذلك بعد أن توقف الزحف الألماني في الشرق على إثر معركة ستالينغراد في ديسمبر من عام 1942.
وبعد استسلام إيطاليا في 3 سبتمبر 1943 نزل الحلفاء في منطقة النورماندي في 6 يونيو 1944، وفي منطقة البروفانس في 15 أغسطس من العام نفسه، وهو ما كان فعلياً بداية النهاية لمعسكر المحور.
كان الوضع السياسي الدولي في الفترة السابقة لانعقاد المؤتمر مضطرباً والعالم منقسماً إلى معسكرين: الحلفاء والمحور، علماً أن كثيراً من دول العالم كانت قد سيقت إلى هذه الحرب رغماً عن إرادتها وبفعل احتلالها من قبل الدول الكبرى الأطراف الرئيسية في هذه الحرب.
ولم تكن العلاقات بين الحلفاء أنفسهم أكثر استقراراً، إذ كانت تشوبها الكثير من الخلافات بسبب أزمة الثقة بين الدول الليبرالية والدولة الشيوعية، وهو ما ظهر جليّاً من خلال عدم الاتفاق على الكثير من القضايا المهمة والمصيرية.
هل نحن اليوم في وضع مشابه لذاك الذي عقد فيه مؤتمر يالطا خاصة أننا نشهد بروز تحالفات ومحاور تقاتل وتقتتل في كل من سوريا والعراق تحت مسمى الحرب على الإرهاب وهو ما سماه البعض حرباً عالمية ثالثة؟ هل نرى خرائط جديدة بعد أن تنتهي معركتي الموصل وإدلب بعدما انتهت معركة حلب؟
الطفلة على إشارة المرور لا يهمها ولا تعرف متى تنفذ الخرائط على الأرض، كل ما يهمها أن تحصل على قوت يومها وعلى.. طريق إلى بيتها في وطنها الذي غادرته دون أن تعرف لماذا؟!