يجيد الخليجيون فنوناً كثيرة، ولكن ليس بقدر إجادتهم الإبحار في الأمواج المتلاطمة، فقد قال الكاتب الأميركي اللبيب وليام آرثر وارد «إن المتشائم يتذمر من الرياح، والمتفائل يتمنى أن تتغير الرياح، أما الواقعي فيعدل من شراعه».
عرب الخليج واقعيون، ويعلمون أن نيل المطالب ليس بالتمني؛ وقد شرعوا في تثبيت ساريات سفنهم. وكما قال مسؤول خليجي كبير «إننا حدائق وسط حرائق».
وقد توهم البعض مع مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما أن المنطقة ستجد حلاً متوازناً لمشاكلها بعد الكوارث، التي شهدتها المنطقة جراء سياسات بوش والمحافظين الجدد، الذين جعلوا من منطقة الشرق الأوسط حقل تجارب لنظرياتهم الرعناء. وقد ألقى أوباما خطابه الشهير في القاهرة، الذي لقي صدى واسعاً في الأوساط الشعبية العربية، حيث أشارت الاستطلاعات إلى أن شعبيته بين العرب فاقت شعبيته بين مواطنيه.
ولكن الحماس بدأ يخفت شيئاً فشيئاً، إذ رغم مساعي أوباما الجادة للتوصل إلى حل سلمي في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ومندوبه الخاص السناتور جورج ميتشل استقال بعد أن توصل إلى سد منيع، ولم تستطع الإدارة الأميركية تخطيها، وإضافة إلى فشل الإدارة في العراق وأفغانستان، ما ثبط عزيمة أوباما نحو الإقليم، ورغم أن الاهتمام بآسيا بدأ مع مطلع إدارة الرئيس أوباما.
فإن الإحباط تجاه قضايا الشرق الأوسط عزز من التوجه شرقاً، فقد أعرب أوباما في مقابلة صحافية أن آسيا منطقة ديناميكية تشهد نمواً اقتصادياً وتكنولوجياً كبيرين، بينما يتصارع الشرق الأوسط على قضايا كالصراعات الطائفية والعرقية.
لقد شرعت واشنطن بتقليص انخراطها في الشرق الأوسط على الأقل خطابياً، حتى إن مستشارة الأمن القومي سوزان رايس صرحت بـ«إننا لن نكون مشغولين بالشرق الأوسط أربعة وعشرين ساعة، فهناك عالم آخر مهم»، وعندما بدأت الإدارة في مفاوضاتها السرية مع إيران حول برنامجها النووي، توجست دول الخليج من تداعيات هذه المفاوضات.
وللحقيقة فإن تجنيب المنطقة حرب أخرى أمر يعد محموداً بحد ذاته، إلا أن التكتم، الذي أحاط بسير المفاوضات أثار المخاوف من أن دول الخليج قد تكون جزءاً من الصفقة، وقد سبق هذه الحادثة تخلي واشنطن عن حلفائها أبان الاضطرابات في 2010-2011 في تونس ومصر، ما عزز التشكك في توجه هذه الإدارة.
وبعد الانتخابات الأميركية الأخيرة، والتي تشير إلى امتعاض كثير من الناخبين، وليس جلهم، من سياسات أوباما، أوصلت دونالد ترامب إلى سدة الحكم، ورغم أن ترامب شخص لا يعرف الكثير حقيقته ومحاط بكثير من الجدل، فإنه استقبل بحماس في المنطقة على أساس أنه لا يمكن أن تكون هناك إدارة أسوأ من أوباما.
في استعراض لوجهات النظر الخليجية بشأن رئاسة ترامب أجرتها صحفية، ونشرت في مجلة الفورين بولسي العتيدة بتاريخ 16 ديسمبر 2016، أبدى الجميع توقهم للتخلص من الإدارة الحالية والترحيب بقدوم الإدارة الجديدة، ويرون في شخصية ترامب شخصية قوية وحاسمة، وأن المنطقة بحاجة إلى رجل صلب سيقف في وجه التدخلات الإيرانية في شؤون أصدقاء وحلفاء واشنطن.
هناك عاملان أثرا على التوجهات الخليجية الجديدة، أولها العامل الموضوعي والمتمثل في التغير الهيكلي في النظام العالمي لجهة توزيع القوة، فرغم احتفاظ الولايات المتحدة بعناصر قوتها إلا أن بروز قوى أخرى أدت إلى انحدار القوة النسبية للولايات المتحدة، والعامل الثاني وجداني يتمثل في التشكك من دور الولايات المتحدة في المنطقة.
ليس غريباً إذاً أن ترى أن كثيراً من دول الخليج بدأت فعلياً في التوجه نحو تحالفات أخرى، ولا غرو أن وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، أبدى اعتراضاً على هذا التوجه وأعلن أمام الجميع مؤخراً أنه «ليس هناك خيارات أفضل» من الولايات المتحدة.
بغض النظر عن هذه الرؤية فإن دول الخليج توجهت نحو استثمارات وعلاقات تجارية أكبر مع دول آسيا وروسيا وأوروبا، كما أنها أصبحت تنوع مصادر تسليحها وعلاقاتها العسكرية مع فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وحتى جنوب أفريقيا والبرازيل.
وليس هناك رسالة أبلغ مثل حضور السيدة تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، كونها ضيفة شرف على قمة مجلس التعاون الأخيرة في المنامة، وفيها أعلنت رئيسة الوزراء من المنامة أن «أمن الخليج الآن هو أمننا، ولذلك فنحن نستثمر هناك، ولا يتعلق الأمر بالقوة العسكرية فقط، إذ ينبغي علينا العمل معاً للرد على التهديدات المتنوعة، ولذلك سنتوصل إلى اتفاقات تعاون جديدة لمنع التشدد، ومعالجة الإرهاب».
لقد قامت دول الخليج بزيادة اعتمادها على ذاتها، وترسيخ الاندماج بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وبادرت دول خليجية في إرساء قوانين الخدمة الوطنية لغاية سد الاحتياجات العسكرية، لمواجهة الأخطار المحدقة.
ولعل التحالف العربي في اليمن أحد أهم تجليات هذا النهج الجديد بالاعتماد على الذات، وتوسيع نطاق التحالفات، لتشمل دول المنطقة ودول خارج المنطقة لها مصالح استراتيجية، فالواقعية تتطلب مرونة سياسية تتكيف مع التغيرات القادمة.