يشاع أن معظم، إن لم يكن كل، مستشاري ومساعدي الرئيس الأميركي العتيد دونالد ترامب ؛ المرشحين للتعامل مع ملفات الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، هم من عتاة الصهاينة والمتصهينين؛ المؤيدين لإسرائيل.
وكلما أعلن ترامب عن تفضيلاته وخياراته ورؤاه المتعلقة بالسياسة الخارجية، ثارت الظنون والأراجيف بأن فلسطين مقبلة على سنوات رئاسية أميركية عجاف. وهناك من قطع الرجاء مبكراً في احتمال استمرارية الانحياز الأميركي لحل الدولتين، معتمدين في ذلك على قراءة عاجلة لخطاب ترامب ورهطه غير الودود مع هذا الحل.
تساق هذه التعميمات في صيغ وقوالب سياسية وإعلامية دعائية، يقصد بها إثارة المخاوف من الوحوش الصهيونية التي سوف تنطلق وشيكاً من البيت الأبيض، لتنقض على الحل السحري لقضية فلسطين.
وبالنسبة لغير المتابعين عن كثب وغير المعنيين بالتفصيلات، يبدو المشهد وكأن أنصار إسرائيل لم يعششوا من قبل في أروقة صناعة القرار الأميركي، وأن حل الدولتين كان قبل وصول ترامب في أوج زهوه وجهوزيته للتطبيق!
بصيغة أخرى، نحن إزاء سيناريو درامي تجرى صناعته بعناية، ويتم التركيز فيه على الحواشي والهوامش وإهمال المتن والسياق الحقيقيين. فخطة الدولتين المعروضة أميركياً بالذات منذ العام 2002، مجرد طبعة منقحة لواحد من أقدم الحلول التي طرحت دولياً للتسوية الفلسطينية.. والمثل الأشهر في هذا المقام، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين.
وإن قيل إن إدارة ترامب تضمر طي هذا الحل بطبعتيه القديمة والجديدة، بسبب صهيونيتها الفائضة، كان الرد، وهل كانت الإدارات الأميركية السابقة أقل صهيونية وانحيازاً لإسرائيل، أو كانت أكثر حرصاً على تنفيذ هذا الحل؟!
ظاهر خطاب ترامب وصحبه حتى الآن، أنهم سيبحرون في الأجواء الدولية بقدر كبير من الصراحة والوضوح، حتى لا نقول التبجح، واستخدام عناصر القوة الصلبة وسيكون هؤلاء أقل مراوغة ومراعاة للكياسة في التعامل مع الآخرين.
وعليه، فالمتوقع أن يمارسوا بالقول والفعل ما كانت الإدارات السابقة تخفيه وراء زخرف القول. في غمرة التباكي بحرقة على حل الدولتين المهدد بالأفول، لا نعثر على إجابة عن البديل المحتمل.
فإذا كانت إدارة ترامب مقبلة على إسقاط هذا الحل، فما هي رؤيتها الأخرى للتسوية الفلسطينية؟ ولمن يعتقد أن بقاء الحال على ما هو عليه من المراوحة في المكان والزمان، نقول إن هذا أمر لا يمكن تصوره.
قضية فلسطين، بحكم سخونة موقعها وتعقيداتها وكثرة المتداخلين فيها والمصالح المادية والروحية المرتبطة بها، غير قابلة للطي والتجاوز والتأجيل إلى ما لا نهاية. هذه حقيقة فاقع لونها؛ لا تملك إدارة ترامب أو أية إدارة أميركية أخرى القفز عليها.
لكن الإبقاء على سخونة القضية وإلحاحها على الأجندات الإقليمية والدولية، وإجبار الجميع على البحث عن تسوية عاجلة لها، تقع على عاتق الطرف الفلسطيني خاصة. ندفع بهذا الاعتقاد وفي الخاطر أن جهود التسوية، على تعثرها، لم تتحرك على كل المستويات، إلا بفعل الكفاح الفلسطيني المجبول بتضحيات جسام.
كل الحلول التي تم تداولها لهذه القضية جرت في سياقات أميركية عاطفة على المشروع الصهيوني وكيانه السياسي إسرائيل. ولم تؤيد واشنطن مقترح الدولتين عن أريحية أو صحوة ضمير، وإنما عن محاولة للاستجابة للتحدي الفلسطيني دون تعريض هذا المشروع وكيانه لأخطار كبيرة.
ونذكر المرجفين باختفاء هذا المقترح والراغبين راهناً في إزاحته من المشهد الدولي، بأنه لا يشكل الحل الأمثل تاريخياً ولا الأعدل قانونياً بالنسبة لحقوق الفلسطينيين الوطنية.
نذكرهم بأن قطاعات فلسطينية واسعة ما زالت تراه حلاً ناقصاً؛ لا يفي بهذه الحقوق. وهكذا فإن تغييبه سيمنح هؤلاء الساخطين مزيداً من الصدقية. وليس بعد ذلك سوى العودة بالصراع على أرض فلسطين إلى نقطة الصفر، صراع وجود لا صراع حدود.
في التعاملات العربية والفلسطينية الخارجية، يتعين لفت نظر إدارة ترامب ومحازبيها الصهاينة إلى أن فلسطين ليست فضاءً فارغاً يملأونه كيفما ووقتما أرادوا.. وإنما هي قضية لها أصحاب لهم حقوق معلومة؛ ضحوا لأجلها طويلاً وكثيراً، و لن يكونوا الخاسر الوحيد إذا ما قرر الآخرون إلغاء حل الدولتين أو سحبه من التداول أو استبداله بأي حل لا يستجيب لهذه الحقوق.