مع اشتداد الحملة العسكرية على مدينة حلب من قبل النظام القائم وروسيا وإيران وحلفائهما من الميليشيات صعدت الدول الغربية من مناسيب مواجهاتها الكلامية مع روسيا داخل مجلس الأمن الدولي وخارجه خاصة بعد أن أشهرت روسيا الفيتو أكثر من مرة لوأد مشاريع ذات طابع إنساني تتعلق بوقف القتال لأمد محدود بغية إيصال المساعدات الغذائية والدوائية للمدنيين المحاصرين في المدينة.

وزير الخارجية البريطاني يطالب بخروج التظاهرات للتنديد أمام السفارة الروسية، بلدية باريس تطفئ أنوار برج آيفل في تضامن حزين مع مأساة حلب لا يُتخذ إلا في حالات الحداد الذي تعلنه الدولة، وتعم عواصم دول أخرى في أوروبا وغيرها التظاهرات تعاطفاً مع المدينة المحاصرة وأهلها.

التنديدات والتصعيد بلغة الشجب والإدانة لم تغير من مآلات الأحداث فقد كان على مدينة حلب أن تستسلم في النهاية لقدرها بعد أن برهنت الأسرة الدولية بمؤسساتها ومنظماتها عن العجز التام .

روسيا وجدت في موقف الغرب الضعيف في منطقة الشرق الأوسط وتصميم إدارة الرئيس الأميركي على تقليص انشغالاتها العسكرية الخارجية خصوصاً في أماكن لا تحظى بأهمية كبيرة بالنسبة للمصالح الأميركية مثل سوريا فرصة نادرة لفرض نفسها على الساحة الدولية منتهجة أسلوب استخدام القوة المفرطة أو التهديد باستخدامها، وذهبت إلى أبعد من ذلك حين اتفقت مع تركيا وإيران على إصدار «إعلان موسكو» كخارطة طريق في الأزمة السورية مستبعدة جميع الأطراف الأخرى وبضمنهم الأمم المتحدة، وهي بذلك تبعث برسائل غير مريحة للرأي العام العالمي حول نواياها.

والحقيقة أن المساعي الروسية لانتزاع أكبر قدر من النفوذ في الساحة الدولية ابتداءً بالنيل من هيبة الغرب، كما حصل في التعامل مع الملف السوري وبالذات في حلب لن تقف بكل تأكيد عند هذا الحد، فالرئيس الروسي متعطش للنفوذ ومصمم على توسيع مساحات هيمنة بلاده غير مبالٍ بما تبديه الأسرة الدولية من إدانة ورفض.

وهناك ما يشجع على ذلك في القادم من الأيام، فالرئيس الأميركي الجديد قد لمّح في أكثر من مناسبة عن رغبته في التخفيف من التزاماته في حلف الناتو في أوروبا وقد لا يعترض، من هذا المنظور، على قدر من الاتساع في النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وفي الجوار الروسي في أوروبا .

هذه التطورات تبعث أبلغ القلق في الدوائر الأوروبية التي توترت علاقاتها مع روسيا في السنوات الأخيرة بعد أن تبنت دول القارة مجموعة من العقوبات ألحقت أضراراً اقتصادية ومالية وسياسية بروسيا على قاعدة موقفها في أوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم.

أما في منطقة الشرق الأوسط فتراجع الدور الأميركي ليس جديداً فقد بدأ فعلياً مع تسلم الرئيس أوباما منصبه كرئيس للولايات المتحدة، فإضافة إلى التقلص في الحضور العسكري تراجعت علاقات الولايات المتحدة مع معظم دول المنطقة، فهناك فتور في العلاقات مع مصر وهنالك فرقة بدأت تزداد اتساعاً مع تركيا التي تتوجس من النوايا الأميركية بدعم الكرد في سوريا.

أما دول الخليج فقد أصيبت بالخيبة على مدى سنوات إدارة الرئيس أوباما التي تُوجت باتفاق مع إيران حول برنامجها النووي قادت تداعياته إلى توسع النفوذ الإيراني في المنطقة وبالطبع على حساب الدول العربية.

في سياق هذه التراجعات تبدي الدولتان الأقوى عسكرياً في أوروبا، فرنسا وبريطانيا، اهتمامهما بشؤون المنطقة بحكم مصالحهما الاقتصادية وعلاقاتهما التأريخية، فرنسا الأكثر انشغالاً بهمومها خاصة ما يتعلق بالحرب على الإرهاب وبتداعيات الأزمة السورية.

وبريطانيا التي تلتفت بقوة لتعلن على لسان رئيسة وزرائها تيريزا ماي في الكلمة التي ألقتها في الجلسة الختامية للقمة الخليجية في البحرين التي دعيت لها بأن أمن دول الخليج من أمن بريطانيا وتعود لتكرار ذلك في مجلس العموم لتؤكد أن ما قالته في تلك القمة ليس مجرد تصريح أملته طبيعة المناسبة بل التزام رسمي.

خارطة التحالفات في الشرق الأوسط مرشحة للتغيير لأن التوازنات القائمة لم تعد صالحة لحفظ الاستقرار.