ما يسود عالم اليوم منطق القوة لا قوة المنطق. القوة بمعناها الشرير لا الخيّر. قوة القصف والتدمير والحرق و..الذبح. فكيف يكون حال من لا قوة لديه ولا حول ولا منطق؟

في حال كهذه تصبح حدائق الأطفال مقابر، البيوت توابيت لساكنيها. القتل يصبح مهنة من لديه ومن ليس لديه مهنة، والدم يسيل في الشوارع فعلاً لا مجازاً. شعوب بعضها نازح في وطنه بأوامر من البرد والجوع وممن يملك الطائرات والصواريخ. وبعضها لاجئ في بلاد الله التي ضاقت على الهاربين من نار الحرب المجنونة.

لقد تم استدراج العرب إلى فخ بأنياب. قيل لهم تعالوا لنريكم أي حديقة سيصبح وطنكم العربي بعد القضاء على «الأنظمة الدكتاتورية»، و..صدّقنا. ادعموا المعارضة. و..دعمنا.

مرت سنة واثنتان وثلاث وأربع وخمس وها نحن ندخل السادسة لم يُسقطوا الدكتاتوريين ولم يوفوا بوعودهم لمعارضيه بل امعنوا في تغيير مواقفهم كراقص على الحبال كلما تأرجح قتل طفل وماتت أم وصاح أب على شاشات الفضائيات «بدنا ناكل..احنا ميتين مو عايشين!» .

فيما التاريخ يسجل مشاهد لم تشهدها الحروب العالمية ولا المحلية. ولم يمتهن فيها الإنسان بمثل هذه الوحشية.تراجع الأميركان عن وعودهم وفتحوا بوابة حلب وسماءها للروس فيما على الأرض ترسم دماء البشر حدوداً تقسيمية جديدة.

قلنا منذ بداية ما سمّوه الربيع العربي إنه لا ربيع ولا زهور ولا ازدهار بل قتل واستنزاف ودمار. قالوا:انتم رجعيون ضد الثورة. قلنا إنها سايكس بيكو 2 وخرائط جديدة للوطن العربي تشمل ليس الأرض فقط بل الشعوب أيضاً على أسس طائفية وعرقية، قالوا: أنتم تحكمكم عقلية المؤامرة !!.

لقد كان الهدف من مقولة كوندوليزا رايس «الفوضى الخلاقة» إحداث هذا الصدع في جسد الأمة العربية وخلق تشققات ينزف منها حاضر ومستقبل العرب وتتسلل إليه رياح حمراء وصفراء وسوداء. وها هي تعصف بمكونات الأمة وتضرب عصب وجودها لتتهيأ المنطقة العربية لاستكمال المشروع الصهيوني «أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل».

بعد أيام يصل اليهودي المتطرف ديفيد فريدمان السفير الأميركي الجديد، سفير دونالد ترامب، إلى إسرائيل حاملا أوراق اعتماده ومعه خارطة موقع السفارة الجديد في القدس المحتلة. أما خارطة «ملهاة» حل الدولتين التي ضحك بها بوش الابن على العرب فربما يقول السيد السفير للفلسطينيين وللعرب «انقعوها واشربوا ماءها»!.

ومع تعيين ديفيد فريدمان تخرج الولايات المتحدة كليا من الخزانة: منذ الآن هي تؤيد بشكل رسمي ومتحمسة لإقامة دولة فصل عنصري إسرائيلية بين البحر والنهر. يقول الكاتب الإسرائيلي المؤيد لحقوق الفلسطينيين جدعون ليفي في «هآرتس» إن فريدمان ليس السفير اليهودي الأول في إسرائيل – هذا الموضوع الذي طرح دائما السؤال المزدوج – لكنه الصديق المعلن الأول للمستوطنات.

وسلفه دان شبيرو كان صديقا للمستوطنات أيضا مثل كل أسلافه، ممثلو الإدارات الذين كان يمكنهم وقف هذا المشروع، لكنهم لم يحركوا ساكنا، بل قاموا بتمويله.

ولكن الآن سيكون لدينا سفير دفع من جيبه الخاص للتعدي على أراضي الغير.

ومغزى ذلك هو أن الولايات المتحدة لن تتمكن من القول بأنها وسيط نزيه، وهي لم تكن هكذا أبدا. ولكن في الوقت الحالي سيتم رفع القناع. من هذه الناحية تعيين فريدمان هو أمر جيد وصحيح. وليعرف الفلسطينيون وأوروبا وكل العالم بأن أميركا مع الاحتلال. لقد انتهت مراسيم التظاهر.

فريدمان هو شخص معاد لإسرائيل، مثل كل من يدفع إسرائيل إلى تعميق الاحتلال، فريدمان هو شخص عنصري مثل كل من يدفع باتجاه إقامة دولة ابرتهايد.

منظمة «جي ستريت» اليهودية الأميركية التي تضم يهود أميركا المعتدلين والمؤيدين لحركة السلام الإسرائيلية الرافضة للاحتلال وللاستيطان والمؤيدة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني في المساواة في مناطق 48 وللاستقلال لمناطق 67، هي أيضا أعلنت رفضها لتعيين المتطرف فريدمان، سفيراً للولايات المتحدة لدى حكومة تل أبيب بسبب تأييده لمجمل سياسات حكومة نتنياهو في ضم القدس وتهويدها وجعلها عاصمة للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، ونقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، ومؤيداً للاستيطان على أراضي الفلسطينيين باعتبارها جزءاً من كامل «أرض إسرائيل».

ما يجري في حلب والموصل وصنعاء موصول بحبل سري بما يجري في فلسطين.

إسرائيل هي رأس الأفعى لكن ثمة من لا يريد أن يصدق إلا حين تقتله بسمها !!