يعقد كل عام مؤتمر «حوار المنامة» في مملكة البحرين وبرعاية من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن. وقد عقد المؤتمر هذا العام في الفترة من 9 إلى 11 ديسمبر الجاري، حيث توافد لفيف من الساسة والخبراء ورجال الأعمال والعسكريين والدبلوماسيين من المنطقة وخارجها. وينصب اهتمامات هؤلاء على قضايا المنطقة بحكم تواجدهم فيها أو لديهم مصالح استراتيجية كبيرة.
وقد استهل المؤتمر بخطاب افتتاحي لوزير الخارجية البريطاني بوريس جونسن والذي يشبه الرئيس المنتخب دونالد ترامب شكلاً وموضوعاً، ولكن بفصاحة وبلاغة جمة. ولكن عباراته المنمقة وبيانه الآسر لا يخفي مآربه. وقد استرجع الوزير بأسى تاريخ انسحاب بريطانيا من المنطقة شرق السويس.
وقال كان السجال بين الخزينة والخارجية حول تقليص النفقات الخارجية لبريطانيا، وقد انتصرت الأولى (الخزينة) على الثانية (الخارجية) وهنا يكمن الخطأ التاريخي. وأعلن من منبره عودة بريطانيا إلى هذه المنطقة وتصحيح الخطأ التاريخي وخاصة أن العالم يمر بمخاض صعب وحالة عدم استقرار.
وعلى ما يبدو فإن المعادلة الأمنية في المنطقة صعبة والاهتمامات بها أوسع نطاقاً من أن تعطيها أبعاداً لا تستطيع المنطقة السيطرة عليها منفردة. فمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تحتوي على أهم مصادر الطاقة، كما أنها تحتوي على أسواق ومصالح اقتصادية كبيرة للدول ذات الشأن في السياسة الدولية.
وأصبحت منطقة الخليج جاذبة للعقول والعمالة المهاجرة من الشرق والغرب، وبالتالي أضحت المنطقة مصب اهتمامات الدول المصدرة لهذه المجموعات البشرية المهاجرة بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل لها ولعائلاتها. وهناك البعد التاريخي والديني كمهبط الأديان السماوية المتصالحة تارة والمتنافسة تارة أخرى.
ولا أدل على هذه الحقيقة من التواجد الكبير في «حوار المنامة» من ممثلين لدول عدة من اليابان وحتى الولايات المتحدة. ولعل تزايد الاهتمام في المنطقة تاريخياً جعل الإقليم ساحة تجاذب لمصالح عدة مما زعزع استقرارها والذي بدوره استدعى تدخلات خارجية فاقمت من أوضاعه في حلقة مفرغة من حالة عدم الاستقرار والتدخلات الخارجية
. ولكن مركز إدارة الصراع في الإقليم المتمثل بواشنطن بدأ في التراخي لأسباب عدة منها التمدد المستمر والذي أدى إلى إنهاك مبكر بالنسبة لنظام بدأ هيمنته على النظام الدولي مذ سبعين عاماً فقط.
وقد أوضح وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الولايات المتحدة ملتزمة بأمن المنطقة، ولكن على المنطقة أن تواجه المخاطر والتهديدات بتشكيل حلف يواجه هذه التهديدات مثل إيران. وقد أثنى على دولة الإمارات في هذا المضمار واعتبرها شريكاً رئيساً في المنطقة.
وإذا كانت الدولة الأعظم ترى بوجوب قيام القوى الإقليمية بدور في أمنها القومي فكيف ترى هذه الدول دورها في المنظومة الأمنية. وقد عقدت جلسة لهذا الموضوع وتحدث فيها السياسي العراقي المخضرم أياد علاوي والذي أكد تلازم الأمن والاستقرار والتنمية.
وبحكم الأوضاع المزرية في العراق، فإن علاوي يرى في ضرورة تأسيس المواطنة في مكان الطائفية وأضاف أن الفقر والعوز مؤثران على الاستقرار والأمن. كما دعا علاوي إلى نظام أمن إقليمي لترابط وحدات الإقليم.
وفي الجلسة نفسها، استعرض سامح شكري، وزير خارجية مصر، الأوضاع المتردية في المنطقة والمشكلات المتعاظمة. ويرى أن استقرار الدول والمحافظة عليها كما تأسست بعيد الحرب العالمية الثانية مسألة مهمة.
لأن تقويض الدول أدى في المحصلة إلى تصاعد الولاءات الضيقة سواء أكانت قبلية أم طائفية وبروز المنظمات الإرهابية. هناك حاجة إلى التغيير ولكن لا بد أن يكون هذه التغيير بضوابط تصون فيها كينونة الدول والشعوب.
وبالنسبة لوجهة نظر دول الخليج العربية، تحدث الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، وزير خارجية البحرين، في الجلسة نفسها عن توجه دول الخليج بعد قمة المنامة والتي شكلت هيئة الاقتصاد والتنمية للتعجيل بإنشاء سوق خليجية مشتركة.
ولكن ما يقلق استقرار المنطقة تغييب ركنين من الأركان الأربعة للنظام العربي الإقليمي والمتمثل في العراق وسوريا رغم تواجد الركنين الآخرين وهما السعودية ومصر. ويرى أن نجاح تركيا الاقتصادي يؤهلها للعب دور في الأمن الإقليم لمواجهة تغول إيران والتي تريد أن تصدر نظام ولاية الفقيه، وبالتالي فإن تحالفاً من دول الخليج بقيادة السعودية وتركيا يستطيع أن يخرج المنطقة من حالتها المتردية، ولإيران الخيار بأن تكون ضمن هذه المنظومة.
وفي خلال اليوم ونصف اليوم تناول المؤتمر محاور عدة حول قضايا استراتيجية مهمة مثل توسيع التحالفات في المنطقة خلال سياق التغير من نظام القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب. وقد تحدث في المحور ديفيد بترايوس، مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، والذي أكد التزامات الولايات المتحدة بالمنطقة رغم اكتفائها من الطاقة حيث لا يزال هناك قضايا مثل الإرهاب وتامين الملاحة والتي هما من ضمن الاهتمامات الأميركية.
وقد خصص جلسة مغلقة بشأن الوضع اليمني والذي شارك فيه متحدثان من المنطقة وسياسي بريطاني. وقد ناقش المؤتمرون الأوضاع في اليمن وسبل إيجاد حل سياسي وإعادة إعمار البلد المنكوب.
وأخيراً على أبناء المنطقة متابعة ما يجري في هذه الاجتماعات للاطلاع على ما يجري.