هناك خلافات حول توصيف ما يدور في العراق من معارك، فالحرب على تنظيم داعش ليست حرباً أهلية بين العراقيين .
كما يذهب لذلك البعض لأن هناك إجماعاً على تجريم هذا التنظيم وإدانة من ينضوي تحت لوائه، فما جرى منذ سقوط النظام السابق من جرائم طالت حياة عشرات الآلاف من المدنيين يدخل في باب العنف الطائفي وليس الحرب الأهلية كما هو حال ما يدور في سوريا وفي اليمن، ومن هذا المنظور تصبح التسويات، من الناحية النظرية، لإعادة الأوضاع في العراق إلى حالتها الطبيعية ليست عملية صعبة.
إلا أن الواقع غير ذلك، فهناك صعوبات بالغة التعقيد تكتنف تحقيق المصالحة الوطنية، فالبرامج التي طرحت في الماضي تحت مسميات مختلفة لم تثمر في تخفيف حدة الاحتقانات وأجواء التوترات بين الفرقاء السياسيين.
والعوائق أمام ذلك تكمن في عاملين اثنين فحسب، أولهما عدم وجود إرادات سياسية حقيقية تقدم حلولاً للمشكلات القائمة بعيداً عن الانحياز لصالح طرف دون آخر، وثانيهما هو الافتقار للموقف الحر المستقل الذي يسمح لصانع القرار تقديم تنازلات لا يمكن من دونها تحقيق أية تسوية.
في سياق الإعداد لمرحلة ما بعد داعش بادر التحالف الوطني الكتلة الأكبر في مجلس النواب العراقي الذي يضم ثمانية قوى والذي يتزعمه عمار الحكيم بتقديم وثيقة تحت مسمى "التسوية التاريخية".
حيث حل مصطلح "التسوية" بديلاً عن مصطلح "المصالحة" الذي سبق أن تكرر كثيراً على ألسنة الفرقاء، فالساحة السياسية العراقية مهيأة أكثر من أي وقت مضى لطرح مبادرات للخروج من دوامة الفشل والصراعات العبثية التي استمرت على مدى ثلاثة عشر عاماً. فالتوصل لتسوية تسمح بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس جديدة أمر على درجة كبيرة من الأهمية في مرحلة ما بعد داعش.
فهزيمة هذا التنظيم عسكرياً لا تزيل المخاوف حول مستقبل العراق، فالمدن التي سبق أن احتلها هذا التنظيم أصابها الخراب إلى درجة كبيرة وتهجر الملايين من سكانها في ظروف يعاني فيها العراق من عجز اقتصادي ينعكس بكل تأكيد على قدرات الدولة على المضي قدماً بعمليات إعادة البناء مما يطيل من زمن المعاناة.
فليس مما يستبعد في ظروف كهذه أن تعود التنظيمات الإرهابية من جديد تحت مسميات أخرى في حالة بقاء التهميش والإقصاء التي تسمح بتأمين حواضن جديدة لهذه التنظيمات.
إذا تجاوزنا حقيقة لا يختلف حولها اثنان وهي أن التحالف الوطني الذي يتبنى المبادرة غير مؤهل لقيادة عملية تسوية حقيقية إذ ليس لديه سجل يمكن أن يفخر به على مدى ثلاث عشرة سنة من حكمه الفاشل الذي أوصل العراق إلى ما وصل إليه من خراب على جميع الصعد.
نجد أن هناك مالا يمنع من النظر إلى وثيقة "التسوية التاريخية" بجدية وإيجابية دون الدخول بتفاصيل كثيرة تثير الجدل حول أسلوب تطبيق بعض ما ورد فيها خاصة ما يتعلق برفض التغييرات الديموغرافية التي حدثت في عهد النظام السابق وهي تحدث في عهد النظام الحالي كذلك، ومنها ما يخص مبدأ "اللا غالب واللا مغلوب" الذي قد يستخدم كمدخل لشرعنة إغلاق ملفات كثيرة منها ملفات الفساد التي تدين معظم الضالعين بالعملية السياسية.
الأمر المهم أن هذه الوثيقة أنها لم تأت اعتباطاً كمبادرة شخصية فقد بدأ العمل بإعدادها مع تولي العبادي رئاسة الوزارة في أغسطس 2014 بدوافع عدة لسنا بصدد التطرق إلى تفاصيلها.
وقد تضمنت أسساً ومبادئ وضمانات صيغت بنودها وفقراتها بعناية بالغة ولم تكن الجهود التي بذلت في إنضاجها بمعزل عن أدوار لعبتها قوى إقليمية وأطراف عراقية معارضة تقيم في الخارج، كما لم تكن بمعزل عن دور بعثة الأمم المتحدة (يونامي) التي تبنت هذه الوثيقة.
إلا أنها من جانب آخر لم تحظ ومنذ البدايات الأولى بقبول جميع القوى المنضوية تحت التحالف الوطني، فالخلافات حول بعض بنودها لم تعد طي الكتمان بعد أن أعلنت كتلة دولة القانون، الكتلة الأكبر في التحالف ثم الكتلة الصدرية عدم قناعتهما بها، كما رفضتها كتلة تحالف القوى السنية.
المواقف المتباينة من الوثيقة، تم رفضها لأنها قدمت تنازلات لقوى سبق أن ناوأت العملية السياسية، أو قبولها شرط أن يكون الضامن لتنفيذها مجلس الأمن الدولي وليس الأمم المتحدة وبعثتها في بغداد، أو التحفظ عليها بحجة أنها كتبت من قبل طرف واحد لا تقلل من أهميتها أو أهمية توقيت طرحها.
الوضع في العراق غير قابل للبقاء في حالة الجمود، فطبيعة المتغيرات المحلية والإقليمية لن تسمح بذلك، فالمبادرة المقدمة تحت هذا المسمى الكبير "التسوية التاريخية" تنطلق من مبدأ تمسك التحالف الوطني بالخطوط العامة التي بنيت عليها العملية السياسية منذ تغيير النظام السابق، خاصة بعد أن تحقق له النصر التام في المعارك التي تهدد كيانه.
في ضوء ذلك من المرجح أن يتجه الوضع نحو المزيد من التصعيد سيما وأن الأطراف الإقليمية التي تقف وراء هذا التحالف تسعى للحصول على نصر كاسح لا يتقبل إلا كل الغنائم.
أزمات العراق التي تبرر طرح مبادرات تسوية كهذه هي من تداعيات التوازنات الإقليمية القائمة، أما التسويات التي تعيد للعراق عافيته وتمكنه من النهوض من جديد، فمن المستبعد أن تتحقق في أطر هذه التوازنات.