منذ بداية البشرية ونزول سيدنا آدم عليه السلام ليعمر الأرض جاء بدين الفطرة التي جبله بها الله سبحانه وتعالى، ومن بعده ومع مرور الزمن بدأ الناس بالابتعاد تدريجياً عن منظومة الفطرة لينقسموا إلى قسمين أناس ملتزمين وآخرين غير ملتزمين، وظهر في ذاك العصر أناس تقاة صالحون أحبهم من حولهم، ومن شدة حبهم وتخليداً لذكراهم بعد موتهم راحوا يرسمون لهم صوراً في الطبيعة بواسطة التماثيل والنقوش، ومرت الأجيال وإذا بأحفادهم قد رأت هذه التماثيل، ولم تعلم سبب وجودها، ولم تفهم بأنها فقط لتخليد ذكرى أموات، فظنتها تماثيل تقرّب إلى الله وبدأت تتبارك بها إلى أن وصلت لعبادتها.

على الرغم من أن الطوفان الذي حل بقوم سيدنا نوح عليه السلام دمر ما على الأرض من هذه التماثيل ولم ينجو إلا من ركب على السفينة، ونشأت بداية جديدة للأرض، وكان من بين هؤلاء أولاد سيدنا نوح الثلاثة الباقون (سام وحام ويافث)، والذين تشكلت من ذريتهم البشرية الممتدة إلى يومنا هذا (سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم)، إلا أن مسألة عبادة الأصنام اتبعت ذات الطريقة للتطور، فهؤلاء الأولاد الثلاثة الصالحون والذين وصلوا إلى مراتب النبوة في بعض الروايات من شدة حب الناس واقتدائهم بهم صنعوا لهم تماثيل بعد وفاتهم، ومع مرور الأزمنة وتغيير الحقائق أصبح الناس يعبدون هذه الأصنام وبذات المسميات.

تطرقنا معكم لبعض جزئيات التاريخ لتأصيل مسألة عبادة الأصنام، وأيضاً للخروج بقاعدة تاريخية تقول «ما تكرر قد تقرر»، فلو رجعنا وفصلنا تاريخ كل إله أو صنم سيكون مردنا شخصية إنسانية أحبها الناس أو عظمها لتتحول من بعدها وتصبح صنم عبادة، وقد تكررت هذه المسألة حتى تقررت كجزء من طبيعة البشرية، فما بين ما يتكرر سرده من الآباء الأولين وتتوارثه الأجيال، وما يضيع ويتبدل في ثنايا التاريخ يتقرر في نفوس بني البشر أن يعبدوا هذه الأصنام من دون تفكير.

سيقول أحدهم ولماذا تسرد لنا تاريخاً عفا عليه الزمن، ونحن اليوم بعيدون كل البعد عن عبادة الأصنام فبعد أن جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحطم أصنام قريش اختفت الأصنام من وجه الأرض، أم أنك ستتبنى فكر القاعدة وداعش وتريد أن تهدم جميع التماثيل التي تمثل حضارات تاريخية؟! ولكن ومع مواجهتي بهذا السؤال مع نفسي أيضاً اتساءل؛ هل هناك أصنام أخرى؟

في تاريخنا الإسلامي سنجد أن فقهاءنا اجتهدوا وعملوا وفسروا العديد من الأمور والمسائل المتعلقة بعباداتنا، واختلفوا في ما بينهم في الكثير من المسائل من بينها كيفية الوضوء والصلاة، وإلى وقت قريب كانوا يقيمون الصلوات حسب تعاليم مذاهبنا الأربعة في الحرم المكي والمسجد الحرام، والمسجد الأموي، وهذه الاختلافات بين المذاهب دليل على تعدد وجهات النظر في المسألة ذاتها.

مثلما قيد الإنسان نفسه بالآلهة التي صُنعت من الحجارة نحن اليوم نقيد أنفسنا بصنمية الأفكار وأصحاب هذه الأفكار، فتجد الإخوان (مثلاً) ينقلون عن حسن البنا وسيد قطب وكأنه كلام منزل لا مجال للجدال فيه، وكذلك الصوفيين ممن تحزبوا لأفكار وجماعات معينة، وعلى جانب آخر السلفيين الذين لهم علماؤهم ومناراتهم التي لا يرضون النقاش فيها أو طرح أفكارهم من قريب أو بعيد، ومجرد التفكر في مسألة قد فكر بها من قبلك هؤلاء الشخوص «البشر مثلك تماماً» ستلقى الشتائم وبأنك عديم الأهلية للتحدث عنهم، وتجد من يدافعون عنهم بكل صرامة وحزم ويظهرون لك فتوى مفادها عدم جواز اجتهادك أساساً، هذا إن لم يصل الأمر إلى تكفيرك والفتوى بقتلك.

توارثنا عن آبائنا أن زماننا الحالي غير صالح أساساً لنتكلم ونعيد تفسير ما جاء به المفكرون الأولون، وإلى اليوم ما زال بعض المفكرين والوعاظ ورجال الدين يصنعون فكراً متصنماً متحجراً كأصنام الجاهلية، وتلاميذهم ينقلون ما يلقنهم به معلمهم من دون أن يجادلوه بحقيقته أو أن يتفكروا به، وكأنه أمر منزل لا جدال فيه.

على الرغم من أننا مقتنعون تماماً بأن جزءاً كبيراً من حقائق التاريخ تتبدل وتتغير أو تمحى في طيات التاريخ إلا أنه في زماننا اليوم قامت بعض الكتب وبعض الأفكار بمكان الأصنام، وأصبحت بعض الكتب التاريخية كأنها الصنم الذي يُعبد، وبعض رجال الدين حتى الحاليون منهم يؤسسون لصنمية أكبر وذلك بالتأكيد التام والتصديق الكامل لفكر أو مذهب معين جاء به من سبقهم وينصبون أنفسهم بأنهم حماة أمناء على هذا الفكر ومفرداته وشخصياته، تماماً كما كنا نجد حراساً لآلهة الأصنام، لكن هناك حجارة ملموسة وهنا شكلنا حجارة محسوسة.

بدأت عبادة الأصنام تخليداً لشخوص صالحين، وعلى ذات الدرب نحن سائرون تخليداً لأناس اجتهدوا بفكرهم صنعنا منهم فكراً أصم لا جدال فيه، ونتوارثه ونورثه لأجيالنا، بل نعمق فكرة الصنمية الفكرية في أساليب توجيهنا وتربيتنا، إلى أن أوجدنا أمة غير واثقة بنفسها وتعتمد جل اعتمادها على موروثها التاريخي فقط تقاتل تَقتل وتُقتل من أجله، وما هو في بعضه إلا تاريخ حُرِّف وبُدل مع الأيام أو بفعل فاعل أراد لنا أن نكون أصناماً متحركين جسدياً متصنمين فكرياً.