فيديل كاسترو شخصية أثارت كثيراً من الخلاف في حياتها ومماتها. فبعد إعلان نبأ وفاته سارعت الجالية الكوبية في ميامي إلى الاحتفاء بموت - ما يراه الهاربون من حكمه - أنه دكتاتور تسلط على رقاب الكوبيين وقمع الحريات السياسية، والاقتصادية، والدينية لنصف قرن، بينما يتصوره آخرون أنه البطل الثوري الذي استطاع-على الرغم من إمكانياته المحددة وصغر حجم بلاده- أن يقارع أعظم قوة ليس في العالم فحسب، بل في التاريخ من مسافة لا تزيد على تسعين ميلاً.
والانقسام في الآراء ليس على مستوى العامة ولكن على مستوى النخب، وفي البلد الواحد. فالرئيس باراك أوباما قدم تعازيه إلى الشعب الكوبي، وقال: «إن التاريخ سيسجل وسيحكم على التأثير الكبير الذي أحدثه هذا الشخص بمفرده في الشعب والعالم من حوله». بينما انتقد بعض أعضاء الكونغرس من الجمهوريين تصريح أوباما بأنه «مثير للشفقة».
وأصدر الرئيس المنتخب دونالد ترامب بياناً شجب فيها كاسترو واصفاً إياه «بالدكتاتور المتوحش الذي اضطهد شعبه لمدة ستة عقود». وأضاف أن «تاريخ كاسترو تاريخ دموي مليء بفرق الإعدامات، والسرقة، ومعاناة تتجاوز الخيال، وفقر وحرمان من حقوق الإنسان الأساسية».
وإذا كانت هناك عبرة من وفاة الزعيم الكوبي فهي أن للحقيقة أوجه يراها المرء من موقع تمركزه. فالعالم الثالث يرى فيه الثوري الذي حول بلاده من ماخور للسائحين الأميركيين ومرتعاً للمافيا وممتلكاتها من كازينوهات القمار إلى بلد منتج تسوده عدالة اجتماعية، ونظام صحي وتعليمي فاق الكثير من الدول المتقدمة.
ويراه أبناء العالم النامي أنه بطل أسطوري أحدث نظاماً تنموياً مخالفاً لما هو سائد، وأممي دعم ثورات التحرر في آسيا وأفريقيا من فيتنام إلى أنغولا وموزمبيق.
وقد حاولت واشنطن الإطاحة بنظامه عندما دربت وجهزت معارضين كوبيين في المنفى لغزو كوبا فيما عرف بغزوة خليج الخنازير التي فشلت فشلاً ذريعاً، وتحولت كوبا إلى التحالف مع المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي.
وبسبب تزايد الضغوط الأميركية على نظام كاسترو، فقد تزايد الاعتماد الاقتصادي على موسكو، مما زاد حنق واشنطن على هافانا. وقد أدى توتر العلاقات بين كوبا وجارتها الشمالية إلى مواجهة مع الاتحاد السوفيتي في أزمة الصواريخ.
وقد حبس العالم أنفاسه في العام 1962 عندما نشرت الأخيرة صواريخ نووية في كوبا وهددت واشنطن بتدميرها، إلا أن موسكو وافقت على تفكيك قاعدة الصواريخ، وتعهدت واشنطن بعدم غزو كوبا وأزالت صواريخ كانت موجهه إلى الاتحاد السوفيتي في تركيا.
ولم يناطح الرئيس الكوبي الإمبريالية والاستعمار بالشعارات ولكن بالأفعال. وقد أرسل فيديل -كما يحلو لأنصاره ومريديه أن ينادوه-قوات كوبية إلى أنجولا لدعم الحكومة التي كانت تواجه منظمة يونيتا المدعومة من جنوب أفريقيا، كما فعل الأمر ذاته مع موزمبيق التي كانت تواجه جبهة مدعومة من حكومة بريتوريا العنصرية.
وعندما نشب القتال بين الصومال وأثيوبيا على إقليم أوجادين، أرسل الزعيم الكوبي قوات لدعم الحكومة الثورية في أديس أبابا لدحر القوات الصومالية؛ لكنه رفض أن يقاتل رفاقه الأريتيريين.
وحين دخل العرب في حرب مع إسرائيل في العام 1973، أرسلت كوبا قوة عسكرية قوامها 4000 جندي للدفاع عن سوريا. وأعلن كاسترو في مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر بقطع علاقاته مع إسرائيل بسبب معاملتها للشعب الفلسطيني.
وعلى ما يبدو فإن الزعيم الكوبي وجد ضالته في الحالة الثورية أكثر من كونه رجل دولة. فهواجسه ضد الولايات المتحدة وهوس الولايات المتحدة بكوبا قد خلقا حالة استدام فيها المنطق الثوري على حساب الدولة.
وسعت الولايات المتحدة مرات ومرات لاغتيال الرئيس الكوبي، وإضعاف مكانته الدولية والمحلية، حتى أن من غرائب الأمور أن وكالة المخابرات المركزية أرسلت مواد كيماوية تسبب تساقط لحيته بهدف النيل من هيبته؛ فقد أضحى الزعيم ببزته العسكرية الزيتونية ولحيته الشعثاء وسيجارته أيقونة الثورة في العالم الثالث.
وقد تكبد الشعب الكوبي الكثير جراء سياسات كاسترو المناوئة للنظام العالمي. وشيد الزعيم الكوبي نظاماً استبدادياً؛ ولا شك في أنه شمولي في مناحي كثيرة. كما أن النشاط الثوري الكوبي في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا قد كلف كثيراً من المال والرجال والعتاد.
وقد تزايدت الضغوط الأميركية على الجزيرة الصغيرة بتزايد نشاطها المعادي لأميركا. وبسبب تلك السياسات والنهج الثوري في الداخل والخارج، عاش الشعب الكوبي عيشة الكفاف والتقشف الاقتصادي في مراحل عديدة.
بيد أن الاختبار الأصعب الذي واجهته كوبا وزعيمها حدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية. فلقد كان الاتحاد السوفيتي الداعم الأول لكوبا حيث بلغت مساعداته خمسة مليارات دولار سنوياً. ولكن فنزويلا -بقيادة هجو شافيز-ردمت الفجوة التي تركها الاتحاد السوفيتي بعد عقد من الزمن.
ويظل السؤال الكبير هل غيب الموت كاسترو أم أنهى عصر؟ من الواضح أن العصر انتهى بانتهاء الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية. وإن السيرة السياسية لكاسترو قد انتهت بتسليمه الحكم لأخيه راؤول في عام 2006. ولكن ما تبقى من تحفظات على اقتصاد السوق للزعيم الجديد سينتهي مع موت فيديل.