تعد دولة الإمارات من الدول القلائل في العالم التي أعطت قيم التسامح إطاراً مؤسساتياً وادارياً بتعيين وزيرة مسؤولة عن التسامح. وفي هذا الشأن فإن الإمارات لا تسعى فقط الى ترسيخ هذه القيم اجتماعياً وانما قانونياً ومؤسساتياً ومنهاج حياة.

وقبيل أسابيع وفي يوم التسامح العالمي وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي خطابه للعالم وخص الشباب بالتحديد بقوله إن قيم التسامح مترسخة في عمق المجتمع الإماراتي وجزء من تراثه الحضاري وأنه شهد هذه القيمة متجسدة منذ عقود في مجلس كل من زايد وراشد حيث كانت تجتمع في مجلسيهما كل طوائف المجتمع ومن كافة الأعراق والخلفيات من دون أي تفرقة أو تمييز.

ففي هذا الشأن ذكر الشيخ محمد بن راشد أنه شهد في مجلس والده الشيخ راشد «مواطنين من قبائل مختلفة واعراق مختلفة ومذاهب مختلفة لكنهم جميعاً مواطنون امام راشد وكان أقربهم من راشد مجلساً أكثرهم خدمةً وعملاً».

وكما مجلس راشد فقد شهد مجلس زايد الشيء نفسه. فقد كان زايد حريصاً على احتواء كافة شرائح المجتمع ومعاملتهم بالعدل من حيث المعاملة والهبات حتى بات التسامح والإمارات وجهين جميلين لمعنى واحد.

وجه الشيخ محمد بن راشد خطابه للشباب قائلاً إن التسامح هو جزء من الثقافة الإماراتية والعقيدة الدينية فالله عز وجل حثنا على اظهار التسامح تجاه الآخر من خلال تقبلنا الاختلاف الديني كما نتقبل وجهات نظر الآخر والتعايش معه في سلام ووئام. ففي التسامح تكمن قيم التعايش السلمي والوئام المجتمعي الذي لولاهما لما انتعشت المجتمعات وترعرعت القيم الإنسانية الأخرى.

في رسالته لم يكن الشيخ محمد بن راشد يحثنا على اعتناق قيم فكرية أو اجتماعية جديدة بل البناء على القيم المتأصلة في عمق المجتمع الإماراتي على مر العصور والأزمان.

فخصوصية مجتمع الإمارات وقدرته على احتضان مئات الأعراق والطوائف والمذاهب ومزجها جميعاً في قالب واحد والتي أدهشت القريب والبعيد ليست بالشيء الجديد. فكما أكدها الشيخ محمد بن راشد في خطابه واشادته بجهود زايد وراشد في هذا المجال انما يؤكد قيماً موجودةً أصلاً في المجتمع الإماراتي ومتأصلة في عمقه وفي ثقافته العربية الأصيلة.

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن لماذا توجه الشيخ محمد بن راشد لفئة الشباب تحديداً؟ توجه لهم لسببين رئيسين ومهمين أولهما: أنهم المستقبل بكل ما تحمله هذه الكلمة من رسم للمستقبل وتوجهاته وصياغة سياساته الفكرية والإيديولوجية.

وثانيهما أن التيارات الفكرية المختلفة قد أشاعت بين الشباب جواً من التعصب حتى بات الشباب هم الأداة التي استخدمتها تلك التيارات الظلامية لإشاعة قيم التعصب في المجتمعات الإنسانية الحديثة واستخدام الشباب كأداة لتنفيذ اجندتها المتعصبة.

في خطابه هذا ناشد الشيخ محمد بن راشد الجميع للعمل بجد لإشاعة قيم العمل الجاد والابتكار اللازم لنهضة جميع المجتمعات الإنسانية الحديثة. فهذه القيم هي التي يجب أن نؤسس لها وأن نعمل من أجل إعلائها لما لها من دور مهم في نهضة مجتمعاتنا العربية.

كما لم ينس محمد من راشد الدعوة لوضع يدنا في أيدى بعضنا البعض والعمل بإخلاص وتفان من أجل الإمارات التي ضحى من أجلها الرواد الأوائل بأرواحهم لكي يخلقوا لنا مجتمعاً متفانياً وسليماً وقائماً على أسس من العدالة الاجتماعية والوئام. فهذا المجتمع يحتاج منا الى بذل المزيد من الجهود لكي تبقى رايته خفاقة عالية.

إن أكثر ما يجب أن نفاخر به اليوم كإماراتيين ليس اتساع شوارعنا ولكن اتساع قلوبنا لضم القريب والبعيد وليس ارتفاع مبانينا ولكن ارتفاع هممنا وطموحنا وقدرتنا على البناء والإنجاز والابتكار وليس جمال مدننا ولكن جمال نفسيتنا واخلاقنا التي استطاعت أن تلفت لها أنظار العالم.

إننا وبقيم التسامح وتقبل الآخر قادرون على تجاوز الصعاب والتحديات والنهوض ليس فقط بمجتمعنا ولكن بالمجتمعات العربية والإسلامية كلها بوصفنا جزءاً منها وبوصفها جزءاً منا.

ولهذا كان تأكيد الشيخ محمد بن راشد في خطابه للشباب لأنهم هم المستقبل القادر على التغيير الإيجابي في وجه التيارات المتعصبة والقادر على اظهار التسامح تجاه الآخر وتقبله. إننا ومن دون تقبل الآخر لن نكون قادرين على التعايش في المجتمع. فمجتمعنا كان مجتمعاً متعدد الثقافات والأعراق والطوائف وسوف يظل كذلك.