كان جالساً في سيارته، مطلاً من النافذة لمذيع حاول استغلال تلك الفرصة العَجْلى لأخذ كلمة من ذلك الـمُلْهَم، بتفاصيل وجه تعشقه كل الأعين التي تعرفه، وبنبرة صوت ما زالت حتى بعد سنين من رحيله غضة، تتردد في ثنايا الأرواح، لم يكن ممن يتقعر بكلامه بل كان حديثه عفوياً دوماً، لكنها العفوية المعجزة ببلاغتها ودلالتها وصعوبة محاكاتها، هكذا بدأ في تأطيره لأولوية مُمَكنات الحضارات: «الرجال هم أبدى وأفضل من المصانع» أرادها صريحة ليعلم الجميع أن المخرجات المادية نفسها ليست الغاية، بل محور الرهان هم الرجال، كان يسبق جيله بالتفرقة بين نقل التقنية، وبين نقل المعرفة، وبأن الثانية هي المرادة أولاً!

رفع نظره لمحاوره وهو يسأله «هل سمعت أن أحد عنده شك في هذا؟»، قالها بنظرة ونبرة لم تكن للاستفسار، ولكن للتقرير وحتى يصل لمن يسمعه أن هذه النقطة من المسلمات التي لا تقبل النقاش حولها، ثم أكمل لتأكيد تلك الحقيقة: «المصانع من بيديرها ومن بيشغلها ومن بيصينها ومن بيوجهها للي بتصنع؟ الرجال هي التي تصنع المصانع والرجال هي التي تصنع سعادتها. الرجال هي التي تصنع حياتها.

الرجال هي التي تصنع حاضرها ومستقبلها»، لم يكن يراهن على الثروات، ولكن راهن على الإنسان الطموح المخلص لبلاده وأهله، ولم يُعلق طموحات الوطن على منتج مستورد أو فكرة مدفوعة الثمن، ولكن علقها على أبنائه البررة، لم يكن يمر عليه لقاء دون الإشادة بأبنائه وتشجيعهم، وإظهار تقديره، بل و«شكره» لهم، كان يعلم أن «مخاوين شما» إنْ «حشمتهم»، «بيردون» الخبر طيب، ذاك هو الكبير، ذاك هو القائد، ذاك هو زايد!

نرى هذه الروح، روح زايد، في أفعال وأقوال «سناد الدار وعمادها» بوسلطان وبوراشد وبوخالد، حفظهم الله وسدد خُطاهم، الذين لم نرَ لهم مقابلة أو نسمع لهم حديثاً أو نقرأ لهم أمراً إلا وكان ما يُثلج الصدر من افتخارهم بأبنائهم، والإشادة بهم ودوام رهانهم عليهم.

 لإعلاء راية الوطن وتحقيق مستقبل رائع، يعزز الحاضر الجميل، ولم يتوقفوا عن التواصل مع كل أطياف شعبهم لإيمانهم بأهمية ثراء التنوع في الأفكار وإشراك الجميع في تحديد الرؤية العامة، وتوضيح أهداف الحكومة الرئيسة، وخلق جو صحي للتكامل والتناغم بين المجتمع وقيادته.

من جلسات مجلس الوزراء المتفاعلة مع المجتمع المدني، التي أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بعقد بعضها في المدارس، وأمام الطلبة، مروراً ببرزة الاثنين لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بقصر البحر العامر وبرزته المفتوحة في واحات العين.

وليس ختاماً بحلقات النقاش المفتوحة وجلسات العصف الذهني، التي تنظمها الحكومة على الدوام كل ذلك من أجل أن يصل صوت الجميع ،وتُقدر مساهماتهم وتُفتح لأفكارهم الأبواب لبناء مستقبل الوطن، وطن الجميع!

من أركان هذه المشاركة في البناء كان أسبوع الابتكار، الذي أطلقه صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، وأصبح مناسبة مهمة ذات توقيت جميل، يسبق مناسبتين عظيمتين: يوم الشهيد، واليوم الوطني، هنا كأن القيادة تريد إيصال رسالة مفادها أن العلم والمعرفة مع التضحيات الكبيرة تبني الأوطان العظيمة، ولم يُخيب «الرجال»، الذين عناهم زايد الظن بهم والإمارات تتصدر العرب في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2016، وتقفز للمرتبة 41 عالمياً من بين 128 بلداً واقتصاداً متنافساً في مجال الابتكار.

استناداً إلى 82 مؤشراً لمحركات النمو والازدهار الاقتصادي والسياسي، ولنرى مدينة «مصدر» السابعة عالمياً من بين المدن الأكثر ابتكاراً حسب تقرير معهد Global Innovation Management، ودبي في المركز 16 حسب مؤشر غرفة دبي للمدن الأكثر ابتكاراً، وبجانب ذاك نجد أبوظبي تتصدر قائمة أفضل المدن للعمل والسكنى في الشرق الأوسط، هكذا يعمل الرجال.

طيلة الأسبوع الماضي كانت الدولة أشبه بخلية نحل، وجميع المؤسسات تطرح مشاريعها ومبادراتها، من أجل الابتكار وتوظيفه لتطوير خدماتها وإسهاماتها في المجتمع المحلي، الذي تكللت فعالياته بحفل «الابتكارات الحكومية» بحضور صاحب السمو نائب رئيس الدولة، في تأكيد على سعي الحكومة لجعل الابتكار منهجية عمل أساسية، وقال سموه خلالها كلمة تعتبر نبراساً مهماً للمؤسسات، وتوجيهاً واضحاً لقياداتها وموظفيها عندما صرح: «نفتخر بجهودكم ومشاركاتكم.

ونعتبر كل مشروع دخل المنافسة قيمة تستحق التقدير، نريد من كل موظف حكومي أن يكون مبتكراً، وأن لا يتردد في عرض رؤاه وأفكاره، فكل فكرة مهما كانت بسيطة يمكن أن تتحول إلى مشروع بناء، يسهم بتطوير العمل والأداء الحكومي، لما فيه خير وسعادة المجتمع».

فقدم التقدير والشكر لجميع المشاركين، لتعزيز خصلة قيادية مهمة قائمة على ضرورة دعم التحفيز الإيجابي، لضمان الزخم في مجهود وطموح الموظفين، ثم التوجيه بأن يكون كل موظف مبتكراً لحثه على مداومة تطوير قدراته وتجديد معارفه.

والبحث عن آخر ما توصل له الناجحون في تخصصه، ولم تكن قضية عدم التردد في عرض أفكاره إلا رسالة للمديرين تحديداً بأهمية الاستماع والأخذ بمقترحات موظفيهم، لأنهم الأعرف بمهامهم وما تحتاج إليه من تطوير لإرضاء المتعاملين

الابتكار وسيلة والمنتج النهائي غاية لخدمة وإسعاد المجتمع، لكن هذه التركيبة، التي تبدو سهلة لا يمكن أن تعمل بشكل سلس ما لم يحصل الموظف على التقدير، ويشعر بالأهمية لدوره وأفكاره من مرؤوسيه المباشرين.

وقبل أن نأخذ بمحاور الابتكار لا بد أن نأخذ بمنهجية والدنا زايد، رحمه الله تعالى، في عقده الأمل على الشباب وإعلانه ذلك أمام الجميع، فالابن لا يمكن أن يخذل أباه، والجندي لا يمكن أن يخذل قائده إن رأى أنه يعتبره رهانه و«محزمه»، فيا أيها المديرون: كونوا مثل زايد!