في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، صوت ثلثا شريحة الناخبين اليهود لصالح هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي. كانت هذه النسبة تعبيراً بيناً عن مخاوف هذه الشريحة من تبعات صعود المرشح الجمهوري دونالد ترامب، صاحب الخطاب والأجندة والمواقف؛ التي استشعروا فيها شيئاً من الخصومة لهم.
لا يلام هؤلاء الناخبون على خيارهم، فقد جاء فوز ترامب معاكساً لتوقعاتهم، شأنهم في ذلك شأن السواد الأعظم من المعنيين في جهات الدنيا، دون استثناء بيوت الخبرة واستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة ذاتها. ولعل أحد الدلالات بهذا الخصوص، هي ثبوت خطأ المقولة الرائجة حول قدرة الناخبين اليهود الخارقة على ترجيح كفة مرشح رئاسي أميركي على آخر.
وهذا الخطأ يفسد مجدداً نظرية كثير من العرب عن حدود دور اللوبي اليهودي الصهيوني وحجمه، في التأثير على السياسة الأميركية. ويتعارض مع الاعتقاد التقليدي بأن الذيل الإسرائيلي هو الذي يتحكم في حركة الوحش الأميركي.
هذا حديث شرحه يطول، لكن ما يعنينا في هذا المقام أنه إذا كان نجاح ترامب قد أثار قدراً أو آخر من الدهشة هنا وهناك، فإنه أحدث زلزلة وجدلا عميق الأغوار بين اليهود الأميركيين ويهود إسرائيل. وقد بلغت بعض توابع هذا الجدل درجة من الأهمية، جعلت متابعين كباراً يتحدثون عن احتمال أن يتسبب ترامب وتوجهاته في انقسام بين هاتين الفئتين.
الأمر وما فيه، أن معظم الأميركيين اليهود يتحسبون من ترامب ؛ ويرون في انحيازاته ومكوناته الفكرية خطراً على أنماط حيواتهم ومصالحهم وأمنهم المجتمعي. ومما قيل في ذلك أن «بعض المنظمات اليهودية الأميركية اشتبكت مع ترامب وشجبت تصريحاته ضد اللاجئين، وأنها تعتبر هذه التصريحات ذات طبيعة لاسامية.
وهم عموماً يشككون في ميوله الغريبة». ويفهم من سياق حملته الانتخابية أن الرئيس الأميركي الجديد، الفاحش الثراء؛ المدعوم جيداً من أوساط نخبة الرأسماليين المحافظين، سيكون متحرراً من نفوذ المال اليهودي الذي لم يسهم في تمويل هذه الحملة.
وتجدر الإشارة هنا أن ترامب نفسه باح بهذا المكنون قبيل انتخابه بأن صرح ساخراً في لقاء جماهيري؛ موجهاً كلامه إلى اليهود الحاضرين «.. لن تدعموني لأني لا أريد أموالكم.. أليس هذا جنوناً ؟..».
لا يعود قلق الأميركيين اليهود فقط إلى تبجح ترامب الفائض بحقهم، وإنما أيضا إلى تزامن رئاسة هذا الرجل، مع ما يعتبره المتابعون عن كثب تسللا ملحوظاً لخطاب «العداء للسامية» في الداخل الأميركي.
ولهذا، يستهجن المحلل الإسرائيلي نداف ايال سكوت المسؤولين الإسرائيليين إزاء هذه الظاهرة، وعدم اكتراثهم بالتصدي لها، بإعلان للتضامن مع الطائفة اليهودية الأميركية والتعبير عن الامتعاض من بروز التمييز ضدها.
يمكن لهذا المستهجن الغاضب وأمثاله تفهم هذا الموقف الإسرائيلي المتبلد إذا أدركوا، ولابد انهم سيدركون قريباً، المنظور الذي يحدد التكييف الصهيوني للعنصرية البازغة في الرحاب الأميركية، وخلاصته أن جرعة من العنصرية والتمييز ضد اليهود في المجتمع الأميركي، ستعجل بتنمية الميول الصهيونية لديهم؛ إلى المستوى الذي يحملهم على اللوذ بالدولة الإسرائيلية.
والمأمول أن لا يكتفي هؤلاء بمجرد تأييد هذه الدولة عن بعد، كما هو الحال منذ قيامها، وإنما الإقدام على المهاجرة إليها..
الكاتب الصهيوني برون لندن لامس هذا القصد تماماً بقوله «إن ازدهار اللاسامية في فرنسا أرضى دعوة الراحل أرييل شارون وندائه إلى يهود فرنسا بالمغادرة إلى الملجأ الإسرائيلي.
والأزمة الاقتصادية في الامبراطورية السوفيتية، بالإضافة إلى اللاسامية المعششة هناك، دفعتا إلى هجرة نحو مليون يهودي إلى إسرائيل»ويطمع هذا الكاتب في حدوث شيء مماثل مع الأميركيين اليهود «بعض اللاسامية، الخالية من المذابح والاضطهادات الخطيرة، سوف تجدد ايمان اليهود بالصهيونية».
نحن هنا إزاء مشهدين.. أولهما للأميركيين اليهود، الوجلين من ترامب وبيئته التي تضمر التمييز ضد غير البيض البروتستانت الآنجلوساكسون، ومشهد اليهود الصهاينة الاسرائيليين وهم يطربون لهذا التحول، أملا في انعاش العقيدة الصهيونية ومشروعها الاستعماري الاستيطاني. وهذا دليل مضاف على تحالف الصهيونية مع النازية ذات حين.